أفكار ومواقف

الجولان.. شرعنة احتلال ونظام عالمي جديد

على خطى بريطانيا “العظمى”، التي منحت دولة الاحتلال الإسرائيلي “وطنًا قوميًا” للصهيونية على أرض فلسطين.. ها هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب “يقتطع” أرضًا سورية خالصة (هضبة الجولان) لصالح دولة الإرهاب والاحتلال، وقبل ذلك بعدة أشهر قام بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل.
إن توقيع الرئيس ترامب إعلانا رئاسيا خاصا للاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، يُعتبر خطوة لـ”شرعنة الاحتلال”، وخلق نظام عالمي جديد قائم على القوة والغطرسة لا الحق والعدل. وتفوق على زميله الأسبق جورج بوش الأب عندما قام في العام 1991، أي بعد غزو العراق، بطرح مفهوم نظام عالمي جديد، ارتكز وقتها على انتهاء الشيوعية وسيطرة الرأسمالية والعولمة وحرية التجارة، ولكن لم يصل إلى درجة من العنجهية تخوله بأن “يُشرعن” الاحتلال.
فعملية “شرعنة” الاحتلال، هي سابقة لم يشهد مثلها التاريخ الإنساني منذ نشء الخليقة، وقد تكون بداية لأمور أكثر تعقيدًا أو خريطة جديدة للمنطقة أو “سايكس بيكو” جديد بنكهة “ترامبية” عنوانها التكبر والتعجرف، وعدم احترام أي كان.
إن منح الرئيس ترامب هضبة الجولان، الواقعة تحت الاحتلال بموجب القانون الدولي والتي تُعتبر استراتيجية وأرضا خصبة تمد الدولة الصهيونية بالمياه العذبة والفواكه، وحتى لو كانت أرضا جرداء أو مأهولة أو غير مأهولة بالسكان، يُشكل انتهاكًا صارخا للشرائع والقوانين الدولية.
إن هذه الخطوة ستخلق واقعًا جديدًا على الأرض، فهي من جهة “تُشرعن” ما ليس شرعيًا، وتمنح الاحتلال إطلالة استراتيجية تشرف منها على الأردن وسورية ولبنان، فضلًا عن أن منطقة الجولان تطل على الجليل وبحيرة طبريا، ستستغلها إسرائيل حتمًا لأهدافها الخبيثة.
ومن جهة ثانية، يمنح ذلك القرار “المشؤوم” شرعنة لفكرة “أمن إسرائيل.. دولة بلا حدود”، فهي تتوسع بالأراضي الفلسطينية وتبني المستوطنات في الضفة الغربية على مرأى ومسمع العالم أجمع.. وها هي تتجه إلى الجولان وكأنها ماضية باتجاه مشروعها “إسرائيل الكبرى”.
بعد ذلك كله، هل يوجد من يشكك بأن الأميركيين لم يبقوا دعاة مؤتمنين على ما يسمى بعملية السلام في مساراتها كافة؛ الأردنية والسورية والفلسطينية، وأن “حل الدولتين” أصبح في مهب الريح، إن لم يكن أصبح رمادًا.
إن “العنجهية” الأميركية تستهدف فرض أمر واقع على الدول والشعوب العربية، لتمرير صفقة القرن.. وخصوصًا أن العرب يكتفون بالتنديد والاستنكار، وسط حالة من الهوان والفرقة.
فقرار الرئيس ترامب، الذي يؤكد بأن التحالف مع الاحتلال الإسرائيلي غير قابل للتفكك، يثبت أن “النظام الجديد” قائم على القوة لا غيرها. فهو لم يكلف نفسه حتى مجرد الإشارة إلى أن الجولان أراض احتلتها إسرائيل بالقوة العام 1967 (عام النكسة)، عام التوسع الإسرائيلي حيث احتلت وقتها وبالقوة أيضًا شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية.
يبدو أن العرب مقبلون على قرارات جديدة للإدارة الأميركية الحالية، قد تصل إلى حد الاعتراف بسيادة إسرائيل على الضفة الغربية، فتصرفات ترامب لا يستطيع أحد توقعها فهو “يهب ما لا يملك إلى من لا يستحق”، على خطى مستعمريه السابقين (بريطانيا).
على العرب أن ينهضوا من هوانهم وضعفهم، ويستغلوا الرفض الدولي لقرار الرئيس ترامب، فهو لا يملك أي صفة لتغيير الجانب القانوني، فضلًا عن أنه بقراره ذلك ينتهك قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، فالمجتمع الدولي بأسره رفض قرار ضم إسرائيل للجولان في الرابع عشر من كانون الأول العام 1981.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock