آخر الأخبار حياتنا

الجيران بين صفاء الماضي وجفاء الحاضر

ديما محبوبة

عمان- أخُوة وصفاءٌ واحترامُ مشاعر، وتعاونٌ في المناسبات. هكذا كان الجيران في القديم، يحافظون على المحبة، ويتسامحون ويتراحمون.
غير أن مشاهد التعاون والتعاطف بين الجيران باتت تختفي مع رياح التغيير، وإيقاع الحياة المتسارع الذي شهده العصر الحديث، فنسي الجيرانُ جيرانهم.
وتستذكر أم ماهر الأيام الخوالي وذكريات “الجيرة الطيبة” وتقول بأن “الجيران كانوا في الأعياد أول من يبارك لهم. كما أنه وفي مناسبات الأفراح كان أول من يتم دعوته هم جيران الحي، قبل الأقرباء، وفي الأتراح كان الجيران أيضا هم أول من يهب للمواساة”، مشيرة إلى أن الحال تبدل هذه الأيام، وبات الجار بعيدا عن جاره كل البعد.
فتور علاقات الجيران يعزوها مختصون إلى هموم ومشاغل الحياة التي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، فهي تلهي الجيران عن جيرانهم.
ولعل السبب أيضا هو انتشار وسائل الاتصال الحديثة، التي “قضت على القرابة الجغرافية”، وأقامت صلة بين الناس المتباعدين في الأمكنة، على حساب علاقة الجيرة القديمة.
سميح أيوب يؤكد أنه لا يتواصل مع جاره المقابل له في العمارة إلا بتبادل التحية العابرة، بل وفي كثير من الأوقات يترصد خروج جاره، حتى يتجنب هذا التواصل معه، وإن كان يتسغرب سلوكه هذا الذي ليس له ما يبرره، لاسيما وأنه لم ير من جاره إلا الطيب.
ويقول “اختلفت علاقة الجيران كثيرا عن الماضي”، وقد لمست الاختلاف الأكبر عندما انتقلت من قريتي في شمال إربد إلى عمان.
ويبين أنه يعيش اليوم في بناية كبيرة، ذات طوابق عديدة، لا يعرف كل ساكن فيها جيرانه، ولا يتبادل الجميع الزيارات، ناهيك عن أن بعض الجيران “يتعالى على الآخرين، بمستواه الاجتماعي والاقتصادي، مما أصاب النفوس بالحقد والضغينة”.
ويذهب أبو سمير كذلك إلى أن العلاقة الطيبة بين الجيران في المناطق الشعبية والمحافظات، والتي كانت تُحفظ فيها روح التعاون والأخوة، لم تعد كسابق عهدها، لافتا إلى أن العلاقات باتت بلا ود، وبلا تواصل، وبلا تسامح، وبلا رحمة أحيانا.
وعن الأسباب التي أثرت على حياة الجيران، وعلى علاقات، بعضهم بالبعض الآخر، يرى اختصاصي الطب النفسي، الدكتور محمد حباشنة، أن الأمر لا يعود لعوامل مادية فقط، إذ صارت كل أسرة تشعر بأنها مؤسسة اجتماعية مستقلة، وبالتالي ليست بحاجة إلى الآخر، وهذا ما جعل الناس يعتقدون أنهم لن يحتاجوا إلى جيرانهم، ولا حاجة لهم لمد جسور التواصل مع الآخرين.
في حين ترى العشرينية فاتنة أحمد، بأن “خروج المرأة إلى العمل، وانشغالها الدائم خلقا فتورا واضحا بينها وبين جاراتها”، مضيفة أن “صعوبة الحياة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الناس كثيرا ما تشغلهم عن إقامة علاقات طيبة مع الجيران”.
وتستذكر فاتنة طفولتها، وما كان فيها من علاقات دافئة مع جاراتها اللواتي كن يجتمعن يوميا لإعداد الأطعمة، وخاصة في العطل والمناسبات، قائلة أن المرأة الآن “ليس لديها وقت تمضيه مع جاراتها”.
وأخطر ما في الأمر، وفق حباشنة، أن خلل العلاقة بين الجيران توسع وانعكس على أفراد الأسرة داخل العائلة نفسها، إلى درجة أن هناك بعض الآباء صارت علاقتهم بأولادهم لا تتعدى حدود “التمويل المادي”.
والحل بحسب حباشنة، يكمن في أن يقف كل إنسان مع نفسه ويحاسبها، وأن يختار “إما أن يحيا حياة بشر، ويتفاعل مع الآخرين، وإما أن يحيا حياة الآلات بدون مشاعر”.
من جانبه يبين اختصاصي علم الاجتماع، د.محمد جريبيع، أن عصر الاتصالات، واتساع رقعة المساحة في المدينة الواحدة، من أهم الأسباب في تغير نمط حياة الناس.
ويقول جريبيع “في الزمن القديم كان المجتمع العربي يستمد هويته من حياة البداوة التي انتشر بينها الغزو، حتى جاء الإسلام فوحّد الناس، وكان من أهم ما وصى به الرسول (صلى الله عليه وسلم) الجار وحقوقه، حتى بات الصحابة يعتقدون أن الجار سيدخل في الميراث، من شدة ما أوصى به الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام في حقه.
لكن اتساع رقعة المساحة الجغرافية للمدن، وزيادة الأعداد السكانية، يجعلان الميزان مختلا، وفق جريبيع، فمثلا، يسكن المدينة الواحدة حاليا عدد مهول من السكان، وتجتمع تحت سمائها شرائح مختلفة من البشر، من جنسيات مختلفة، وأعراق متعددة، وكل هذا التوسع جعل من الصعوبة معرفة الجار لجاره، ويضاف إلى ذلك الضغوط المادية التي أبعدت الجار عن جاره، بعدما أصبحت الكماليات هي الأساسيات.
ويقول “إن منظومة القيم الاجتماعية تأثرت بفعل الخوف من المجهول، وأن الأزمات النفسية والاجتماعية، والظروف المعيشية تلعب دورا في إضعاف العلاقات الاجتماعية”.
ويؤكد جريبيع “إن ما يؤثر على حسن الجوار مجموعة عوامل تتمحور حول ما يتعلق بالذات الإنسانية المعبّر عنها في علم النفس بـ “الأنا”. فالإنسان تسرقه همومه ومشاكله الشخصية، مما يجعله منعزلا ومنفردا”. ويضيف “فلو أخذنا الخط العام لمستوى علاقات الجيرة خلال السنوات الخمسين الأخيرة لاكتشفنا تضاؤلا وتباعدا في الارتباطات الاجتماعية، والسبب هو الحياة المادية والظروف المحيطة بالأسرة”.
من جانبه يذكر خبير التراث، نايف النوايسة، أن الأحياء الشعبية، وبعض المحافظات ما تزال تحافظ على روح التعاون والحياة الاجتماعية الإيجابية، وخصوصا أن بعض القرى تتكون من عدد من العائلات الكبيرة المعروفة، وذات صلة قرابة مع بعضها.
ويرى النوايسة أن الناس في القرى “ما تزال تحافظ على روح التواصل”، بالرغم من اختلاف ملامح السكان في هذه الأحياء، والتحولات الكثيرة التي حدثت، ككثرة السيارات وشبكات التلفاز، والهواتف والإنترنت، وما إلى ذلك.

[email protected]

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock