اقتصادتحليل إقتصادي

الحاجة إلى اتفاقية عالمية فعالة لتعليق سداد الديون

باتريك بولتون، ولي بوشيت وبياتريس فيدر دي ماورو وآخرون

لندن / نيويورك / جنيف – في مواجهة أزمة اقتصادية غير مسبوقة جراء وباء كوفيد 19، تبنى صناع السياسات في الدول الغنية نهج “القيام بكل ما يلزم” لإنقاذ اقتصاداتهم من الانهيار. ومع ذلك، في مواجهة أزمة أكثر خطورة في بلدان أخرى من العالم، اعتمد صناع السياسة هؤلاء موقف إدارة الرئيس الأمريكي هربرت هوفر في بداية الكساد العظيم: “لا يوجد شيء يمكننا القيام به”. والنتيجة هي تقديم حزمة مالية بقيمة مليار دولار للاقتصادات المتقدمة بينما تلقت الدول الأخرى مساعدات مالية ضئيلة.

يتمثل المشكل في أن التكاليف الاقتصادية للتباعد الاجتماعي من المرجح أن تكون أعلى في الأسواق الناشئة، كما أن جهود الإنقاذ الهائلة في البلدان الغنية تزيد من صعوبة مكافحة الوباء في البلدان الفقيرة.

تمكنت البلدان التي تتمتع بقدرات اقتراض كافية، مثل الولايات المتحدة، من جمع مبالغ ضخمة بمعدلات فائدة منخفضة للغاية. لكن هذه الأموال تأتي من مستثمري الأسواق الناشئة الذين يبحثون عن الأمن بالإضافة إلى مستثمرين أمريكيين يقومون بتصفية ممتلكاتهم الأجنبية. وبعبارة أخرى، فإن جزءا من التمويل الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة والاقتصادات المتقدمة الأخرى يأتي من الاقتصادات الناشئة ذات الاحتياجات المالية الأكثر إلحاحًا.

لذلك، ليس من المستغرب أن أكثر من 100 دولة تسعى للحصول على مساعدات مالية من صندوق النقد الدولي. لكن الأموال المُتاحة لصندوق النقد الدولي ليست كافية.

في هذه الأثناء، قررت حكومات مجموعة العشرين مؤخرًا تعليق سداد القروض الحكومية الثنائية لأفقر 76 دولة في العالم حتى نهاية عام 2020. لكن خطة مجموعة العشرين لا تشمل الدائنين من القطاع الخاص الذين يمثلون بالنسبة للبلدان المتوسطة الدخل مثل المكسيك غالبية الديون السيادية.

وبدون مشاركة القطاع الخاص، يمكن ببساطة استخدام أي تخفيف رسمي لأعباء الديون على البلدان المتوسطة الدخل لسداد ديون القطاع الخاص. إذا كان تخفيف القطاع العام من أعباء الديون عن البلدان الفقيرة سيؤدي إلى تحويل الثروة إلى دائنين تجاريين، ستكون هذه الخطوة بلا جدوى.

لذلك، ينبغي أن يُشارك جميع الدائنين من القطاع الخاص على قدم المساواة في أي تعليق لخدمة الديون، ليس فقط من أجل العدالة الأساسية، ولكن أيضا لضمان التمويل الكافي للاقتصادات الناشئة. لا يمكن أن تكون مشاركتهم طوعية بحتة. إذا كان الأمر كذلك، فإن الإعفاء الذي يقدمه الدائنون من القطاع الخاص سيعمل ببساطة على دعم أولئك الذين رفضوا المُشاركة.

علاوة على ذلك، يُظهر التاريخ أن عددًا كبيرًا من الدائنين من القطاع الخاص قد يرفضون المشاركة في تعليق المدفوعات، لاسيما عندما تتأثر ميزانياتهم العمومية بالأزمة الاقتصادية المُرتبطة بالوباء. ولكي تتمكن الاقتصادات الناشئة والنامية من مواجهة أزمة فيروس كوفيد 19، من الضروري أن يشارك جميع الدائنين من القطاع الخاص في تعليق سداد الديون.

نقترح قيام مؤسسة متعددة الأطراف مثل البنك الدولي بإنشاء تسهيل ائتماني مركزي لكل دولة تطلب تخفيف عبء الديون مؤقتًا، مما يسمح لها بإيداع مدفوعات الفائدة المُستحقة، والتي يمكن استخدامها بعد ذلك كتمويل طارئ لمكافحة الوباء. كما سيتم تأجيل استهلاك أصل الدين خلال هذه الفترة، بحيث يتم تأجيل جميع مدفوعات الديون.

ستقوم هذه المؤسسة المتعددة الأطراف التي تُشرف على عملية تعليق المدفوعات بمراقبة آليات الائتمان لكل دولة للتأكد من أن الأموال التي كانت ستُوجه للدائنين سيتم استخدامها فقط لتمويل حالة الطوارئ لمكافحة جائحة كورونا. بمجرد انتهاء الوباء العالمي، ستقوم الدول بسداد جميع الأموال من آلية الطوارئ هذه.

في العديد من البلدان، يتضمن القانون المحلي مبادئ تسمح بتعليق تنفيذ العقود بسبب أحداث غير متوقعة تمامًا، ولا يمكن التنبؤ بها أو تجنبها. في مبدأ “الضرورة”، يعترف القانون الدولي العام بأن البلدان قد تحتاج في بعض الأحيان إلى الاستجابة لمثل هذه الظروف الاستثنائية، حتى على حساب وقف الأداء الطبيعي للعقود أو الالتزامات التعاهدية الخاصة بها.

يستوفي وباء كوفيد 19 جميع هذه الشروط. سيتعين على البلدان الأكثر تضررًا من جائحة كورونا إلى نشر جميع مواردها المالية المُتاحة لمكافحته. ويجب أن يحصلوا على تلك الأموال من عدة مصادر – من خلال تحويل النفقات المخصصة لأغراض أخرى، وتأمين القروض أو المنح من المؤسسات الرسمية، وإعادة توجيه الأموال التي كانت مُوجهة لخدمة الديون المُقرّرة.

لن تتصرف البلدان التي تُجري هذه التعديلات بطريقة تقديرية أو اختيارية. على العكس من ذلك، سوف تتصرف بدافع الضرورة بالمعنى الحقيقي للكلمة. يجب على جميع البلدان، وخاصة دول مجموعة العشرين، الاعتراف علناً بهذه الحقيقة في سياق التعليق المُقترح لسداد الديون الثنائية والتجارية.

قد يخشى البعض من أن يؤدي تعليق الدفع إلى تدمير سوق الديون السيادية. ومع ذلك، نحتاج إلى إدراك أن وباء كوفيد 19 حدث نادر للغاية، ولهذا السبب تسبب في أسوأ ركود عالمي منذ الكساد العظيم، وإغلاق عالمي أكثر صرامة مما كان عليه خلال الحرب العالمية الثانية، وسياسات نقدية ومالية غير مسبوقة في جميع الاقتصادات المتقدمة. وقد تسبب هذا الوباء في تأجيل دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لأول مرة في التاريخ الحديث للأولمبياد، والتي كان من المقرر إجراؤها في طوكيو في شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب.

إذا تمكنت اللجنة الأولمبية الدولية واليابان من تأجيل الألعاب الأولمبية لعام 2020، فمن المؤكد أنه بإمكان مجموعة العشرين تنظيم تعليق سداد الديون السيادية الخاصة للدول الناشئة والنامية وذلك من أجل الحفاظ على الاقتصاد العالمي حتى تتحسن الأوضاع.

باتريك بولتون هو أستاذ علوم الاقتصاد في إمبريال كوليدج لندن. لي بوشيت هو أستاذ فخري في القانون بجامعة إدينبرغ. بيير أوليفييه جورنتشاس هو أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. ميتو غولاتي هو أستاذ القانون بجامعة ديوك. تشانغ تاي هسيه هو أستاذ علوم الاقتصاد في كلية الأعمال بجامعة شيكاغو. أوغو بانيزا هو أستاذ علوم الاقتصاد ورئيس المالية بمعهد الدراسات العليا بجنيف. بياتريس فيدر دي ماورو هي أستاذة الاقتصاد بمعهد الدراسات العليا بجنيف.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2020.
www.project-syndicate.org

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock