ترجمات

الحاجة إلى تأمين المساعدة الإنسانية في الشرق الأوسط أصبحت ملحة

رانج علاء الدين* – (معهد بروكينغز) 11/8/2020

أضافت جائحة فيروس كورونا المستجد نوعاً من الإلحاح لمعالجة ثغرات الحوكمة والأمن في المجتمعات الانتقالية التي مرت بأزمات سياسية وأمنية، وما تزال تمر بها في بعض الحالات. فقد عانت دولٌ مثل العراق حرباً أهلية مرتين على الأقل في العقد المنصرم، فيما يُرجح أن تغرق دولٌ أخرى مثل سورية ليبيا واليمن في اضطراب سياسي عنيف لسنوات وسنوات. وعقد فيروس كورونا المستجد المحاولات لتوفير الأمن الفعال والمستدام لأنه يضيف طبقة أخرى إلى تحديات الحوكمة القائمة. وفي نهاية المطاف، عمقت أزمة الصحة العامة الجديدة الخلافَ على السلطة والموارد بين المجموعات المسلحة والحكومات الوطنية التي تتنافس لرسم معالم المشهد السياسي والسيطرة عليه. ويواجه صانعو السياسات تحديات صعبة لوضع استراتيجيات جديدة وتطبيقها للتعامل مع هذا المناخ الأمني المتدهور في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
الحرب في الشرق الأوسط
في السنوات الأخيرة، قللت القوى العالمية من اعتمادها على القوات المسلحة التقليدية، وفضلت الاعتماد على مزيج من الحرب الهجينة (استخدام مقاتلين محليين غير نظاميين والحرب السيبرانية والطائرات المسيرة وغيرها) وقوات محلية. وتشكل قدرة هذا الشكل الأخير على القتال بالنيابة عن القوى الخارجية أو بالتشارك معها بديلاً نافعاً عن الاتكال على القوات التقليدية ذات الحساسية السياسية الأكبر. وفي السنوات الأخيرة، عملت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحليفة بشكل متزايد مع هذه الجهات الفاعلة، وفعلت ذلك بالتزامن أحياناً. ففي العراق، اعتمدت على القوات المسلحة العراقية ووحدات الشرطة العسكرية وعلى القبائل العربية السنية في شمال العراق والمحاربين الشيعة غير النظاميين والبشمركة الأكراد. وفي سورية، دعم الغرب المجموعات المتمردة العربية والقبائل التي حاربت نظام الأسد واعتمد عليها، فضلاً عن المحاربين الأكراد في وحدات حماية الشعب. وفي ليبيا، تدعم الدول الأوروبية فعلياً الجهتَين المتعارضتين في النزاع الناشئ بين حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس والجيش الوطني الليبي التابع للمشير حفتر.
التكلفة البشرية
لا يمكن الاستخفاف بالتكلفة البشرية للصراعات الحالية والمستقبلية. فقد أدت الحرب في سورية إلى نزوح نصف سكانها؛ أي أكثر من 12 مليون نسمة، داخلياً وخارجياً على حد سواء. ونزح الملايين في العراق واليمن. وفي ليبيا، نزح مئات الآلاف من الأشخاص. والأرقام مخيفة: هناك قرابة 13.5 مليون شخص في سورية بحاجة إلى مساعدة إنسانية؛ و21.1 مليون شخص في اليمن؛ و2.4 مليون في ليبيا؛ و8.2 في العراق. وكانت دول عدة في المنطقة قد أهملت الرعايةَ الصحية العامة لسنوات. بالتالي، يمكن أن تتداعى أنظمتها الطبية تحت ضغط الزيادة السريعة في حالات فيروس كورونا المستجد. وفي مناطق الصراعات مثل ليبيا وسورية واليمن، استهدفت الفصائل المتحاربة وجهاتها الراعية الخارجية المستشفيات ومنشآت الرعاية الصحية مباشرة. وخفضت الأمم المتحدة من موظفيها وأبقت على الأساسيين منهم وأوقفت عمليات الإجلاء محدودة العدد أصلاً للمدنيين المصابين بأمراض مزمنة بسبب الحظر على الرحلات الجوية إلى اليمن ومنه. ومنعت المجموعات المسلحة في اليمن استعمال الإجراءات البيومترية لتسجيل متلقي المساعدات، ظاهرياً لأسباب صحية. ويعرقل هذا الواقع وصول المساعدة الخارجية لشعوب تعاني بشدة.
تقدر الأمم المتحدة أن الجائحة سترسل 8.3 مليون شخص إضافي إلى ربقة الفقر، ما يعني أنه سيتم تصنيف 101 مليون شخص على الأقل كفقراء، و52 مليوناً يعانون من نقص التغذية في المنطقة العربية. لكن الجائحة سبق أن أدت إلى تداعيات فورية على المجموعات والمجتمعات الهشة. فقد ازداد العنف الجنساني في مخيمات اللاجئين والنازحين الداخليين. وفي أواسط آذار (مارس)، توقفت تركيا عن السماح للمرضى الذين يحتاجون إلى علاج طبي بدخول أراضيها من شمال غرب سورية، جزئياً كاستجابة لفيروس كورونا المستجد، وهو ما جعل مئات الأشخاص الذين يعانون أمراضاً معقدة كالسرطان يكافحون للعثور على مساعدة طبية. وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومنظمة الصحة العالمية إن متطلبات الحجر والقيود على التنقل تعرقل قدرة عمال الإغاثة على الذهاب إلى سورية.
التحديات
يكمن التحدي الأول الذي يواجهه صانعو السياسات في كل أنحاء العالم في تطوير استجابة تتعامل مع هذا المناخ الأمني المتدهور. وينبغي أن تركز الاستراتيجيات الأمنية على التهديدات الإنسانية الحادة المرتبطة بأزمة الصحة العامة غير المسبوقة. ولكن، ينبغي أيضاً أن تعول على الإجراءات والاستراتيجيات الراهنة المصممة لمعالجة أوجه التقصير في الحوكمة. ومن الأمثلة على ذلك تعزيزُ المصالحة بين الفصائل المتنافسة، ودعمُ المجتمع المدني وتمكينُ الإعلام المحلي، وهو أمر غاية في الأهمية لتحقيق الشفافية والتدفق الحر للمعلومات حول تداعيات الأزمات مثل أزمة فيروس كورونا المستجد. وسيحد ذلك من قدرة الجائحة على الظهور مجدداً ويخفف من تداعياتها طويلة الأمد على تحديات الحوكمة الراهنة.
ويكمن التحدي الثاني في أنه ينبغي على صانعي السياسات مواجهة الطريقة التي يتم بها تطبيق هذه الاستراتيجية في منطقة تُبين الدراسات أن الصراعات ستزيد فيها في المستقبل. فقد بينت الدراسات أنه من بين الدول الـ105 التي عانت حرباً أهلية بين العامَين 1945 و2013 في العالم، شهد أكثر من نصفها (59 دولة) عودة إلى صراع عنيف، بل إلى أكثر من صراع في بعض الحالات، بعد أن تم إرساء السلام. وتبين دراسة أجراها نموذج التوجهات المستقبلية الدولية في جامعة دنفر، وهو محاكاة إحصائية لمؤشرات التنمية البشرية والاجتماعية، أنه فيما كانت دول عدة تعاني صراعاً مسلحاً قبل الجائحة، يرجح أن تندلع صراعات جديدة في 13 دولة إضافية حتى نهاية العام 2022، وهذه زيادة نسبتها 56 في المائة مقارنة بالتوقعات التي سبقت الجائحة. وتنص هذه الدراسة أيضاً على أنها تتوقع الآن أن تشهد 35 دولة اضطرابات بين 2020 و2022، وهو العدد الأعلى في أي مرحلة من المراحل في السنوات الثلاثين الأخيرة.
الخطوات المستقبلية
تشير هذه التحديات والأزمات المتعددة، عند جمعها معاً، إلى أن التداعيات الإنسانية والأمنية التي يشكلها فيروس كورونا المستجد يمكن أن تكون أكبر بكثير من التكاليف البشرية المهولة التي خلفتها الصراعات الإقليمية حتى الآن. وبالتالي، ينبغي إجراء إعادة تقييم للطريقة التي ينظر بها صانعو السياسات إلى المسائل المعقدة والمتداخلة ويعالجونها. ينبغي منح الأولوية للاستراتيجيات التي تركز على هشاشة المجتمعات الضعيفة في خضم الجائحة. ومع أن صانعي السياسات لن يتمكوا من معالجة المسائل العالقة منذ زمن التي يمكن أن تشكل مشكلات جيلية التي ترتبط بدور الدولة والجهات الفاعلة من غير الدولة ومسؤولياتها ومساءلتها، من الممكن تطوير قدرة استجابة محلية أكبر للتحديات الطارئة، مثل فيروس كورونا المستجد، من دون أن تُميز هذه القدرة على أساس الأيديولوجية أو المعتقد أو الثقافة. وينبغي أن تشمل تأمين الإمدادات الطبية الحيوية وعمال الرعاية الصحية لدعم السكان المحليين، فضلاً عن التشجيع على إبرام اتفاقات طويلة الأمد بين الفصائل المتحاربة تضمن أن تصل هذه الإمدادات إلى الناس الذين يحتاجون إليها من دون أي عرقلة. وبإمكان هذه الاستجابة لإدارة الأزمات أن تؤمن فرصة للحث على تعاون لم يكن ليحدث لولا هذه الاستجابة وأن تساعد على الأقل على تأسيس بعض المكونات الأساسية اللازمة لسلام مستدام.

*زميل زائر -مركز بروكنغز الدوحة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock