أفكار ومواقف

الحاجة إلى تنجيد دوري

يذكر ويتذكر بعض منا معنى التنجيد أيام زمان، وبخاصة لصوف الفرشات التي كنا ننام عليها. كان الصوف يجز عن الغنم ويغسل وينظف ويجفف ثم يحشى في ثوب الفرشة. ولكنه كان بمرور الوقت يترهل ويتلبد ويصبح النوم على الفرشة عسيرا، فيستخرج منها ويضرب تكرارا بأداة وترية تجعله كالعهن المنفوش، ثم يدس ثانية في ثوب الفرشة، ويصبح النوم عليه مريحا، وهكذا. ومثله صار يتم تنجيد “الكنب” إلى اليوم.
ويقيني أن الدولة: إدارة عامة وخاصة، ومجتمعا: حضريا وريفيا، بحاجة ماسة ودورية إلى عملية تنجيد (Upholstery) شاملة تشد براغيها وزنبركاتها بعدما ترهلت وتلبدت وفسدت، وأصبح العيش فيها عسيراً. وإذا لم تصدق فاضرب “قلماً” في “كيس” كل قطاع وعلى كل مستوى كما فعل مدير مستشفى البشير، تجد الفساد معششا وشاملا ومعديا، والترهل ممتدا.
إن كلا منا في هذا البلد يرجو أن يسلم من الفتنة التي تحركها أصابع في الداخل أو من الخارج، انتقاما، أو تشفيا.
لقد كتبت ذات يوم في جريدة الرأي (3/1/2012) مقالا تحليليا أفرق فيه بين العشيرة والعشائرية، خلاصته أن العشيرة كالأسرة، مدماك عضوي أساسي في بناء المجتمع لا يمكن إسقاطه. أما العشائرية فشكل من أشكال الأيديولوجيا التي تحيل كل أمر إلى العشيرة، وكأن الدولة غير قائمة، أو أنها تناددها وتسعى لتجاوزها. عندئذ يعود البلد إلى الوراء، إلى أيام العرب في الجاهلية حين لم تكن هناك دولة تقوم بواجباتها. لقد كانت الجاهلية (كالثأر) ضرورية في حينه، ولكن استمرارها بعد قيام الدولة يعتبر ظاهرة مرضية.
إن الدولة قائمة وعندما يلجأ الناس إلى العشائرية بدلاً منها تصبح النتيجة صفرا لأن كل عشيرة ستشد الثوب (الدولة) لناحيتها فيتمزق، فعندئذ أو بعدئذ تشتد العشائرية التعصبية وتتصاعد.
وحتى لا تحمى رؤوس بعض القراء الذين لم يقرأوا الرأي في حينه فإنني أبردها بالدعوة إلى التوظيف الإيجابي للعشائرية، أي إلى تحالف عشائري يلتزم بالحق والعدل للجميع ويدافع عنهما، وعلى غرار ما حدث في قريش بعد حرب الفجار، حيث تنادى العقلاء من رموز عشائرها إلى عقد تحالف بينها سموه “حلف الفضول”، كانت مادته الرئيسة: “ألا يجد في مكة مظلوماً من أهلها، أو من غيرهم من الناس، إلا قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته”.
نحن في القرن الواحد والعشرين / الخامس عشر الهجري ولسنا أقل حكمة من حكماء قريش في ذلك الزمان لإقامة حلف فضول جديد. يجب أن نستبق الأمر إلى ذلك بالانتقال من العشائرية الضيقة المتعصبة، ذات الوجه السلبي، إلى رحاب العشائرية العادلة ذات الوجه الإيجابي، وإلى استخدامها للضغط على الدولة في هذا الاتجاه ليطمئن الجميع، ولتكون الدولة للجميع، وليتقدم الأردن، ويصبح نموذجاً أو مدرسة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock