أفكار ومواقف

الحاجة لإطار إصلاح اقتصادي وطني

يعيدنا إقرار صندوق النقد الدولي للمراجعة الثانية لبرنامج الإصلاح المالي للحكومة، كمؤشر يعتد به في تقييم الاستقرار المالي والنقدي للاقتصاد، إلى الحاجة لتبني خطة إصلاحية مالية واقتصادية على المستوى الوطني، طالما أننا قادرون على تطبيق سياسات تضبط بوصلة الإنفاق وتعالج الاختلالات الهيكلية في القطاعات المنتجة.
اللافت أن لقاء رئيس الوزراء عمر الرزاز مع رؤساء كتل نيابية، يوم الأحد الماضي، حمل مؤشرات تدلل على إدراك الحكومة لضرورة تنفيذ خطوات برامجية وذات أبعاد استراتيجية تسهم في دفع الاقتصاد الوطني نحو مرحلة التعافي، لا سيما وأن الرزاز بشّر أنه لن يكون هناك أي فرض لضرائب جديدة على الأردنيين، خلال العامين الحالي والمقبل، وطرح رؤية قد تكون مدركة للخلل فيما يخص تشجيع الاستثمار.
الوقت اليوم مناسب للبدء بتطبيق فعلي لنهج الاعتماد على الذات، والتحرر من برامج الرقابة والتمويل الدولية، عبر انتهاج خطة عمل وطنية تتشارك بها مختلف الأطراف الحكومية والأهلية وتقوم على أسس إصلاحية وهيكلية جديدة، تضمن تحقيق استقرار في معدل النمو الاقتصادي على أقل تقدير.
ولا بد للحكومة أن تقتنع أن هناك صورة ذهنية سلبية لدى الأردنيين حيال برامج التمويل والإقراض الخارجية، وفي مقدمتها برامج صندوق النقد الدولي، التي قدمتها لنا كل الحكومات على أنها برامج فرض ضرائب ورسوم وتضييق على دخول المواطنين، والاعتماد عليهم في الجباية ورفع الإيرادات.
التركيز على تحقيق نمو اقتصادي والحفاظ على الاستقرار النقدي يتطلب حلولا عملية لا خطط ومشاريع، وعلى الحكومة أن تدرس فعليا المعيقات التي تواجه قطاعات محورية تدر دخلا وتوفر فرص عمل، فالرئيس الرزاز يعترف أن التحدي الأساسي الذي يواجه حكومته في العامين الحالي والمقبل هو العمل على أولويات تحقيق نمو اقتصادي.
الأردنيون أثقلتهم الوعود بالمستقبل الأفضل وسئموا الخطط والاستراتيجيات والبرامج غير المنتجة، وملوا الانتظار بين اليوم والغد، ومر عليهم حكومات تقلبت أولوياتها لكنهم لم يلمسوا تحسناً في مستوى معيشتهم ودخولهم، بل أصبح الاقتصاد الأولوية الأولى لديهم والتي تحدد طبيعة علاقتهم مع الحكومات ومدى شعبية الأخيرة وسخونة الموقف الشعبي منها.
في المقابل، فإن المؤشرات الواردة من الحكومة والقطاع الخاص بمختلف قطاعاته تؤكد أنهما يعينان تماما أن المرحلة المقبلة تتطلب نموا اقتصاديا وبمعدلات عالية تسمح بظهور فرق في الأوضاع المعيشية والدخول للأردنيين.
التسريبات التي بدأت تظهر اليوم تتحدث عن توجه حكومي لوضع إطار تشاركي لخطة إصلاح اقتصادي ومالي وطني، تشترك في صياغتها الأطراف المختلفة تقود ولو تدريجيا لرؤية أردنية توافقية لخطوات تنهض بالواقع الاقتصادي، عبر تنفيذ هيكلة وإصلاحات جوهرية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والخدمات.
وعلى الحكومة ألا تنسى أن ضبط النفقات الحكومية وترشيد الاستهلاك في أسطول النقل الحكومي ومراقبة استغلال البعض له، هي مسؤولية تتحملها الحكومة ذاتها، وما الملاحظات التي تضمنتها تقارير ديوان المحاسبة في الأعوام الأخيرة إلا دلالة على الإسراف والتبذير وسياسة عدم الترشيد في النفقات لمختلف المؤسسات الحكومية، انعكست في مجملها على المالية العامة.
خلاصة القول أن لا أحد يُنكر بأن الاقتصاد الوطني بحاجة ماسة إلى برنامج إصلاح مالي وطني، لا يحتمل التأخير أو التأجيل أكثر من ذلك، خصوصا أنه واجه تحديات كثيرة خلال الفترة الماضية، لكن من يعلق الجرس ويطلق هذه الشارة، نتمنى أن تلتقط الحكومة الرسالة، فالشراكة مع صندوق النقد كان شرا لا بد منه في مراحل محددة، لكنه اليوم ومع شهادة الصندوق ذاته بالاستقرار المالي للأردن، فيجب علينا التحرك لكن ليس لمزيد من القروض والديون.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock