أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الحاجة لتغييرات هيكلية جديدة لإحداث النمو

الأردن كغيره من الاقتصادات في المنطقة كان اقتصادا زراعياً في بداية انطلاقة عهد الامارة، وكانت معظم الصناعات والخدمات التعليمية والطبية التي ظهرت في بداية نشأة الأردن مملوكة ومدارة من القطاع الخاص، ومن بعثات أجنبية، باستثناء الجيش العربي وقوى الدرك والامن والحرس الوطني.
واستمر الحال كذلك حتى نهاية الاربعينيات وبداية الخميسنيات من القرن الماضي وحتى مطلع الستينيات حين ادركت القيادة والدولة الاردنية أهمية أن يكون للقطاع العام دور أكبر في التنمية، فبدأت الدولة بالدخول في معظم القطاعات الانتاجية من صحة وتعليم وجامعات ومدارس وبنية تحتية وسياحة وزراعة وصناعة وبنوك وغيرها، إلى أن وصل الحال الى ما وصلنا اليه في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
وبعد اتفاقية السلام مع إسرائيل العام 1994، والتي تعتبر إحدى ركائز الاستقرار الجغرافي والسياسي والجيوستراتيجي الأردني، تحولت الأسس التي بنيت عليها استراتيجية الأردن الاقتصادية منذ ذلك الحين، وقد انعكست تلك الاستراتيجية في سياسة ثابتة للإصلاحات الاقتصادية، والتي غيرت هيكل الاقتصاد الأردني في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد تم استبدال الهيكل القديم، بعد أن بدأ يُظهِرُ ضعفاً في قطاعات الإنتاج العامة، وحل بدلا منه هيكل جديد أصبح فيه القطاع الخاص القوة الرائدة. ومنذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي، أصبح الأردن أحد أكثر الاقتصادات العربية تقدمًا من حيث التحرير الاقتصادي والاندماج في الاقتصاد العالمي.
واستمرت عملية التحول التي بدأت في التسعينيات بقبول الأردن كعضو في منظمة التجارة العالمية، واتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي (EU) وسلسلة من اتفاقيات التجارة الحرة مع جميع الشركاء التجاريين الرئيسيين للبلاد. مكّنت هذه الاتفاقيات، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية، الأردن من الاستفادة القصوى من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والفرص الإضافية في أسواق الخليج، وزيادة صادرات السلع والخدمات الأردنية إلى دول الخليج العربي بشكل كبير.
وكان هذا التغيير الاقتصادي الهيكلي محرك نمو قوي للاقتصاد الأردني. وخلال العقد الأول من القرن الحالي، نما الاقتصاد الأردني بمعدل حقيقي يساوي 6 في المائة في السنة. وزادت الصادرات الأردنية من السلع أربعة أضعاف، من 2 مليار دولار في العام 2000 إلى 8 مليارات دولار في العام 2008. وتضاعف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الأردني، وانخفضت البطالة من 15 إلى 12 في المائة، على الرغم من النمو السنوي للقوى العاملة الأردنية بنسبة 5 في المائة في الأردن.
وما لبث هذا الزخم في النمو أن بدأ بالتراجع بعد الازمة المالية العالمية والربيع العربي وما تلاهما من تداعيات واغلاقات لحدود الاردن من معظم اتجاهاته باستثناء السماء والجنوب، وهي حدود ترتب أعباء وكلفا اقتصادية كبيرة على كاهل الاردن سواء بالنقل أو بالتخزين أو بغيرها.
وعلى إثر كل التطورات أعلاه والحروب في سورية والعراق في السنوات الأخيرة، بدأ الأردن في تلقي مساعدات اقتصادية أميركية كبيرة على أساس سنوي ثابت، وكانت تلك المساعدات بمثابة مرساة للاستقرار الاقتصادي للأردن.
ومع بداية العقد الثاني من هذا القرن دخل الاقتصاد الاردني بآلام وأوجاع أخذ يئن من وطأتها كالديون والعجوزات في الموازنة والحساب الجاري في ميزان المدفوعات والبطالة والفقر. فالسؤال الذي يطرح الآن هو هل هذا يستدعي اعادة النظر في نماذج التنمية التي يعتمد عليها الاقتصاد الاردني؟ وهل نحتاج لإعادة هيكلة الاقتصاد من جديد؟ وما هي الاسس الجديدة التي يجب أن يرتكز عليها الاقتصاد الاردني للانطلاق من جديد في بداية الالفية الثانية من عمر المملكة؟ نطرح هذا التساؤلات أمام المعنيين في وقت تعمل فيه الحكومة على صياغة خطتها التنفيذية للأعوام الاربعة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock