أفكار ومواقف

الحاجة لعمليات جراحية كبرى وجرأة أكبر

انتظر المراقبون والمحللون والشعب الأردني بفارغ الصبر اعلان الحزمة الثانية من الاجراءات الحكومية الهادفة الى تحفيز الاستثمار وتنشيط الاقتصاد بمختلف قطاعاته والتي يفترض أن تكون بمثابة جزء من خطة اقتصادية شاملة لإنعاش الاقتصاد الاردني. وبعد أن تم الاعلان عنها وجد المحللون والمراقبون أنها لا يمكن أن تصنف حتى عمليات جراحية صغرى كتلك التي تُجرى في المراكز الصحية الصغيرة المتواجدة في احياء المدن والقرى أو في احدى كوريدورات أقسام الطوارئ في المستشفيات.
قلنا في مقال سابق أن الاقتصاد الاردني يحتاج الى صدمة ايجابية كبيرة لانعاشه وتحفيز قطاعاته وليس لحزمة اجراءات لا تستطيع تحريك مشاريع صغيرة أو حتى متناهية الصغر. نعيد تكرار نفس الاسئلة السابقة: ما تأثير مثل هذه الاجراءات البسيطة على اقتصاد بأكمله؟ ما تأثير تخفيض نسبة الضريبة على السيارات الكهربائية على الناتج والتشغيل وتخفيض كلف وفواتير الطاقة للمملكة؟
أما فيما يتعلق بالمؤسسات الحكومية التي شملها قرار الدمج والإلغاء فليست هي بتلك المؤسسات المعنية بتخفيض الكلف وزيادة كفاءة القطاع العام. كنت أتوقع أن يؤخذ قرارات بإلغاء وزارات لصالح هيئات تنظيم مستقلة مع اجراء اعادة هيكلة لتلك الهيئات. نسأل مثلاً عن ضرورة وجود وزارة طاقة في ظل وجود هيئات طاقة متنوعة وضرورة اختصارها بواحدة لتنظيم القطاع كاملا. ونتساءل عن أهمية وجود وزارة اقتصاد رقمي في ظل وجود هيئة تنظيم لقطاع الاتصالات مع ضرورة اعادة هيكلة تلك الهيئة لتكون متوافقة مع تطورات ومسميات الثورة الصناعية الرابعة؟ وأهمية وضرورة وجود وزارة نقل في ظل وجود هيئات متنوعة لتنظيم قطاع النقل!! ونسأل عن وجود خطة واستراتيجية واحدة لقطاع النقل في ظل التعديلات المتكررة في هرم الوزارة؟!
عندما توجهت دول العالم، ومنها الاردن، الى برامج التخاصية كان القصد انسحاب الحكومات من العملية الانتاجية لصالح القطاع الخاص وتنظيم الأسواق من خلال هيئات التنظيم والغاء الوزارات في القطاعات التي جرت فيها عمليات التخاصية. كنت أتوقع أن نلغي وزارات ونقل مهام رسم السياسات والرقابة والتنظيم لصالح هيئات التنظيم، واذا بنا نتوسع بالاتجاهين فتكبر الوزارات ونخلق هيئات تنظيم ويكبر القطاع العام ويزداد الترهل ويتفاقم العجز في الموازنة وتتزايد المديونية.
باعتقادي، أنه ما تزال بيد الحكومة فرصة كبيرة لدخول غرفة العمليات واستخدام مشرط كبير وأدوات حادة لإجراء عمليات كبرى تعمل على تصحيح الأوضاع وتعيد هيكلة جسم الاقتصاد الاردني. الجميع يعرف ما المطلوب وما المقصود. السياسة الناعمة في اتخاذ القرار لا تحدث نفعاً مستداما. نحتاج الى الرجوع الى تقرير الخصخصة في الاردن الذي أجرته لجنة تقييم التخاصية التي ترأسها دولة الدكتور عمر الرزار والمباشرة في تنفيذ توصياته كاملة. نحن مع القطاع الخاص ومع الاستثمارات الاجنبية والمحلية ولكن فقط اذا كانت تضيف قيمة مضافة ملموسة للاقتصاد وتنمي الناتج وتخلق فرص عمل للأردنيين وتخفض معدلات البطالة. الوطن بحاجة لمشروعات كبرى في كافة القطاعات الاقتصادية.
كما وأننا بحاجة للعودة الى الاستراتيجية الوطنية للتشغيل التي أعدها واشرف عليها دولة الدكتور عمر الرزاز بصفته رئيساً للفريق الفني فيها وتنفيذ توصياتها التي ما تزال قابلة للتنفيذ. نحتاج للرجوع الى مراجعة قوانين الموازنات العامة لعشر سنوات ماضية للوقوف على أسباب عدم تحقيق أهدافها المرسومة سنوياً. نحتاج لمراجعة برامجنا مع صندوق النقد الدولي للوقوف على أسباب عدم تحقيق أهدافها؟ الحُزم التي أُطلِقت لا تصل الى مستوى خطط وبرامج اقتصادية شاملة.
الجرأة في اتخاذ القرار والمشاريع الكبرى ستمكننا من رفع معدلات النمو الاقتصادي وتخفيض معدلات البطالة والعجوزات ومستويات المديونية. الفرصة متاحة والنية موجودة. الحاجة ماسة الآن لعمليات جراحية كبرى ولجرأة أكبر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock