أفكار ومواقف

“الحب المصنوع من الكلمات”..!

في التعليقات على التعليقات الكثيرة التي رثت رحيل المبدعَين الياس فركوح ومحمد الظاهر، تمنى محبوهما لو أنهما سمعا عن هذه العواطف وهما على قيد الحياة. ويردد هذا سؤالا قديما عن السبب في أن معظم المبدعين تتلقى “أرواحهم” التكريم الذي لا تتلقاه وهي في أجسادهم. وليس الأمر أن عملهم لا يكون مقدرا ثم تتضح قيمته فجأة بعد الرحيل، أو أن هناك نية مبيتة لتجاهلهم، وإنما يبدو أن وجودهم أحياء يكون شأنا مفروغا منه، وأن في الحياة متسعا لإظهار التقدير غدا أو فيما بعد.
لا يفترق حال الكُتاب والمبدعين عن سيرورة علاقاتنا الإنسانية كأناس عاديين. كثيرا من نؤجل تواصلا مع أصدقاء أو أحباء، لنقول أننا نقدرهم، حتى وقت آخر. وإذا حدث وأن رحلوا، يصبح حتى الذهاب إلى العزاء بلا معنى ما دام نفس الشخص الذي نريد إبلاغه بعاطفتنا هو الذي لن يعرف بالتحديد، لكن الفارق في حالة المبدعين هو أن الكثير من علاقاتهم تتعلق بالإضافة التي يصنعونها في المشهد العام على أي مستوى. وتتعلق ماهية التقدير الذي يستحقونه –ويتوقعونه- بهذه الإضافة الحاضرة بذاتها في العالم، والتي تُرشد هي إلى منتجها.
باستثناء بعض الأسماء الكبيرة جدا في عالم الإبداع التي تحظى بتكريم رسمي أو جوائز أو إضاءة، يغلب أن يُستحضر الآخرون إلى دائرة الاهتمام بعد رحيلهم -في “بورتريهات” تُرسم وتُكتب في الجرائد، وربما مقال رثاء، وربما حفل تأبين هنا أو هناك. فجأة يستدير الضوء الشارد ليضيء المكان الذي أصبح شاغرا بلا صاحبه، ويُقال إن الذي كان هنا كان وفعَل. وقد يحظى البعض بفرصة لشكر أحد انتبه وكرمهم وهم أحياء، بينما يرحل آخرون وهم يحاولون تصور إذا ما كانوا سيُكرمون بعد رحيلهم، وكيف.
الحالة الفريدة المعروفة عن الذين يقرؤون رثاءهم وهم أحياء كان الشاعر الشهيد علي فودة. عندما أصيب في بيروت إصابة قاتلة، شاع خبر وفاته. وفي اليوم التالي امتلأت الصحف بالمراثي. وكتب الياس خوري عن ذلك: “وعندما استيقظ الشاعر من موته، وقرأ المراثي شعر بسعادة لا توصف. كان وضعه الصحي ميئوسا منه، فقد أصيب في عموده الفقري وتمزقت رئته اليسرى، لكنه عاش يومين، وهو ما كان كافيا ليقرأ كل ما كتب عنه، قال إنه سعيد، ولم يعد يهمه الموت، فلقد عرف اليوم معنى الحياة، من خلال الحب المصنوع من الكلمات”.
“الحب المصنوع من الكلمات” مكافأة عزيزة يترقبها المبدعون. وعندما يأتي الحب وكلماته متأخرين، سيكونان بلا قيمة بالقدر الذي يخص الراحل على الأقل. قد تضيء المراثي أثره الباقي، لكنه ربما كان يفضل لو أن النقد، ذلك “الانتباه المتعاطف”، أضاء عليه وهو حاضر يسمع ويرى.
يشتكي الناشرون، وبالتأكيد الكتاب والمبدعون، من أن أحدا لا يكتب عما ينتجون. وقلما تنتبه جهات الثقافة إلى إبراز النتاجات الجديدة. ولذلك يلجأ ناشرون إلى استجلاب الانتباه النقدي بالاستكتاب. والكُتاب يُهدون نسخا من أعمالهم إلى أصدقاء أو آخرين يتوسمون فيهم إمكانية الكتابة عن عملهم، وقد يطلبون الكتابة صراحة. وسوف تأتي القراءات في هذه الحالات مُجامِلة مسطحة، بعد تصفح العمل في خمس دقائق أو ساعة زمن. وهكذا، يشكل غياب النقد والمراجعات جزءا من حرمان المبدعين من “الحب المصنوع من الكلمات”، والذي لا ينبغي أن يكون بالضرورة “حبا” صرفا حرفيا. وكذلك تفعل ندرة النشاط الثقافي التفاعلي الجذاب، كما كان شائعا هنا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وذهب ولم يعُد.
على طريقة ذكر الفضل بعد الرحيل -التي لا يسلم منها أحد- كان محمد الظاهر هو الذي أهدى لي، عندما كنتُ في المدرسة الإعدادية، كتاب “ألف ليلة وليلة” في أربعة مجلدات. وكان سببا في حبي للخط العربي لأن خطه كان جميلا. ولم أنسَ أنه هو الذي أدخلني عالم “الليالي العربية”، الذي لا يخرج منه المرء كما دخله أبدا، وكيف أثر حضوره في بيتنا في تلك الفترة في تكوين وعيي المبكر.
والياس فركوح. كان من المعزي لي شخصيا أنني قلت له، قبل وقت قصير فقط، ما يعنيه لي كصديق وإنسان، وأوصلت إليه -ذلك “الحب المصنوع من الكلمات”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock