أفكار ومواقف

الحجّ والتهجين الثقافيّ

  يتيح التأمل في فريضة الحج للمرء إعادة الاعتبار إلى البعد الإنساني للدين، وهو بُعدٌ تمكّنتْ القراءات المتشددة للنصوص الدينية وأنماط التدين الخشنة والمنغلقة من التشويش عليه، وانكماش مساحاته.


فمنذ هجرة إسماعيل عليه السلام إلى مكة واستيطانه واديها وعمرانه له وزواجه من قبيلة “جرهم”، حدثَ تزاوج ثقافي ضخم، كان علامة  تاريخية فارقة، كسرتْ انغلاق العِرق العربيّ على نفسه، وشكّل مجيء الإسلام فيما بعد مزيداً من انكسار ذلك الانغلاق. ولقد كان ابن خلدون متيقظا ذكياً حين أدرك “أنّ الصفاء التام لا يكون إلا بالتوحش التام”، كما يقول في مقدمته. ويعلّق الباحث السعودي عبد الله الغذامي، في كتابه” القبيلة والقبائلية” (المركز الثقافي العربي/ 2009) على ذلك بقوله: “كلما توحشتْ وتصحرتْ مجموعة ما  صارتْ لها الفرصة في الالتفاف الذاتيّ، والانغلاق على نفسها، وكلما خطتْ باتجاه التحضّر وانتقلتْ من سكنى القفار إلى سكنى المدن بدأتْ بالاختلاط”، وفي ذلك استجابة لقانون التعارف وضرورات التعايش “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”. فلقد كان إسماعيل عليه السلام ابن جارية وجاء إلى جرهم ليصاهرهم، وفي العرف الثقافي التقليدي الذي كان وما يزال، كما ينبّه الغذامي، فإن جرهم العربية سترفض تزويج غير عربي وابن جارية، ولكنهم تجاوزوا ذلك التقليد وزوجوه، ونتج عن هذا الزواج تحوّل هو من أشد التحولات في تاريخ الثقافة العربية، وجاءت تسمية “العرب المستعربة”، أيْ العرب المخلوطة والممزوجة بين أكثر من عنصر. فكان تفجّر ماء زمزم، يتابع الغذامي، “يرمز إلى تفجّر ثقافي هائل، جرى بعده كتابة تاريخ جديد للغة والبشر”، وصار الوادي القاحل غير ذي الزرع مثمرا بالاختلاط والتهجين وتنوّع البشر وتعارفهم والتقاء مصالحهم واشتراكهم في الأصل الإنساني ووحدة الخلق “كلكم لآدم وآدم من تراب”.


أيْ أنّ القراءة الإنسانية التي تلتفتْ إلى أنّ تفجّر ماء زمزم ومصاهرة إسماعيل لجرهم ومن بعد ذلك بعثة النبي محمد عليه السلام… هذه القراءة التي تلفتُ إلى أن ذلك كان توسيعاً، برأي الغذامي، “لدائرة العِرقية وكسرا للصفاء الافتراضي والبوتقة المغلقة” للجنس العربيّ… هي قراءة إنسانية لا يتمّ التركيز عليها عند تناول أركان الحج وحادثة ماء زمزم. وأغلب التناول لهذه الحادثة يتم بصورة تكرارية، تخلو، في العادة، من تلمّس الجوانب الإنسانية والتحولات التاريخية الواسعة التي تخلّقتْ إثر تلك الأحداث. وهذه مناسبة لإعادة الاعتبار لتلك الأبعاد، وتوسيع دائرة النقاش حول الغنى الإنساني الذي تنطوي عليه، لا سيما في ظل عودة العصبيات و”الهويات القاتلة” إلى حاضرنا واجتماعنا في العالم العربي، فصارتْ لعبة كرة قدم قادرة على إحالتنا كائنات غرائزية لا تتورع عن إحياء واستدعاء نوازع ومكنونات العنف والبدائية والعصبية لديها، وفي أسوأ أشكالها بُعداً عن حقيقة الدين أو معاني التمدن والتحضّر.


والذين يقرأون الدين وكأنه نزل هكذا دفعة واحدة من دون مراعاة لواقع البشر وحاجاتهم وتنوعهم وظروف اجتماعهم الإنساني، إنما يُخرِجون الدين من التاريخ، ويغفلون عن أنّ أهم أسباب قوّة الإسلام إنما كمُنتْ تاريخيا في تنوعه وتعدده وثرائه واختلاط الفاعلين في دوائره المختلفة نشأة ونمواً، وفي التهجين الثقافي وتوسيع الدوائر الإنسانية والبعد عن الصفاء العرقيّ المتوهَم والانغلاق على الذات، كما تمثلتْ في هجرة إسماعيل عليه السلام إلى “وادٍ غير ذي زرع”، ما يؤشر إلى تلك القيمة الإنسانية التي تؤكد قيم التعارف والتواصل والتهجين الثقافي كمنابع لإبداع البشر والمجتمعات وقيام الدول والحضارات، وفريضة الحج، كمؤتمر تتساوى فيه الأعراق والأجناس والألوان والنساء والرجال، مناسبة مهمة للتذكير بهذه المعاني وتأصيلها وتوسيع الحوار حولها وربطها بالواقع.

تعليق واحد

  1. الحقيقة ثمرة
    الحقيقة مثل الثمرة.البعض يظن انها في القشرة و البعض يظن انها في اللب و البعض يظن انها بالبذرة.ابدع الكاتب في اجلاء الحقيقة في الثمرة كاملة.ما احوجناالى وقفة تأمل مع الذات لنعرف ان التنوع هو سمة الحياة لاستمرارها و بقائهاوان الحياة مثل البحر الواسع بمائه وامواجه ورماله وصخورة واسراره وكائناته وكنوزه الدفينة.و بمناسبة حلول عيد الاضحى المبارك اتوجه الى اسرة الغد بالتهنئةوألتوفيق و النجاح الى غد مشرق وكل عام و انتم بخير.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock