فكر وأديان

الحج عرفة

د. محمد المجالي

هي أيام العشر من ذي الحجة، اليوم يوم التروية، حيث كان الحجاج يحزمون أمتعتهم ويتزودون بالماء ليرتووا، وبعدها يتجهون إلى منى ليبيتوا فيها، ثم ينطلقون إلى عرفة غدا وهو اليوم التاسع، ليقفوا بعرفات حيث ركن الحج الأعظم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الحج عرفة”، فمن فاته هذا الركن ولو بلحظة وقوف فيه من نهار أو ليل فقد فاته الحج.
لله أن يميز زمانا على آخر، ومكانا على آخر، فهو سبحانه الخالق والمدبّر، ولا شك له حكمة في كل شيء يشرعه، فالحج ركن عظيم رغم مشقته، بل المشقة مقصودة فيه ابتلاء للنفس، أتصبر أم تضجر، وليلتقي المسلمون ببعضهم ويتعرف بعضهم على أصناف ولغات وألوان وأعراق ربما لا يلقاها إلا في هذا المشهد، لباس واحد، ذكر واحد، مكان واحد، كلهم تجأر ألسنتهم بالدعاء إلى الله أن يغفر لهم ويعتق رقابهم من النار، وأن يوفقهم في حياتهم، كل له سؤله وخاصته، يناجي ربه الكريم بحاجته، وهو الكريم الحليم الرحيم سبحانه، يباهي بأهل الموقف أهل السماء، ويشهدهم أنه غفر لهم أجمعين.
ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة”، وقوله: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة”، وقوله: “ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجِّين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار، من يوم عرفة”. ربما واحدة من هذه الخصال تكفي، ولكنه كرم الله تعالى، حين يعطي العبد أكثر من فرصة، فلعله يقصر في هذه فيدرك تلك، وهكذا في شأن العبادات كلها، لأن الغاية النهائية هي الفوز والنجاة، والعبور إلى الدار الآخرة بأمان، حيث دار القرار.
خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وهذه للحاج وغيره، فاللفظ جاء مطلقا، ولا شك أن الله يستجيب من عبده أنّى كان موضعه مكانا وزمانا، ولكن فضل المكان والزمان له خصوصية ما، وهي حث لنا أن نعرض حاجاتنا على الله في هذا اليوم العظيم، ولا نخجل حتى من أمورنا الخاصة، فليس بيننا وبين الله حجاب، ونحن بحاجة إليه سبحانه، على الصعيد الفردي أو المجتمعي، أو على صعيد الأمة وما بها من آفات ونكبات، فلعل الله تعالى أن يصلح الحال ويوفقنا جميعا لما يحب ويرضى.
هو يوم عتق من النار، فلنكن في عبادة، أقلها الصيام لمن استطاع، فصيام عرفة يكفِّر ذنوب سنتين، سنة ماضية وسنة لاحقة، وصيامه سنة لغير الحاج، وغير الصيام كثير، حيث المحافظة على الصلوات والذكر والدعاء والبذل من نفقة وغيرها، فالله سبحانه يريدنا أهل طاعة والتزام وارتباط به سبحانه، لنريه عبودية وانكسارا وحاجة وحبا حقيقيا نأنس به معه سبحانه، فهو الودود اللطيف الغفور الرحيم الحليم، بيده الأمر كله.
ولنا أن نتصور كيف يباهي الله بأهل الموقف من حجاج لجؤوا إليه وانشغلت حناجرهم بدعائه والوقوف له، كيف يباهي بهم أهل السماء الأصفياء، ويشهدهم أنه قد غفر لهم، يا له من موقف يرجوه كل مؤمن، أن يستشعر مغفرة الله له، يرجع إلى موطنه وهو ضامن أن الله قد غفر له، وما عليه إلا الاستقامة والطمأنينة، ولا يلوّث نفسه ويدبر عن الله بعد أن أقبل عليه، ويطيع الشيطان بعد إذ رجمه ولعنه، ويعكّر صفو روحه بغبار الذنوب بعد إذ غسلها بمشاعر القرب من الله. هنيئا لمن يسر الله له الحج، فأدى مناسكه وحرص على إتقان أعماله، وغير الحجاج قادرون بنياتهم وأعمالهم ومشاعرهم الصادقة على نيل أجر الحاج، فالمسألة في النهاية أعمال فرضها الله لا بد من أدائها، وهي في غاياتها تريد من المسلم استشعار العبودية الخالصة لله تعالى، بها يفوز دنيا وآخرة، ويسعد دنيا وآخرة، ولعله ينال الدرجات العليا، بصحبة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock