فكر وأديان

الحداثة والماضوية

د. هاشم غرايبة

لو سئل أي شخص محايد عن أهم ما يميز الخطاب العربي الإسلامي المعاصر عن الغربي، لأجاب فورا أنه مغرق في الماضوية فلا يتحدث في قضية إلا ويستعيد الماضي سواء للمقارنة، أو للتغني بأمجاد الماضي تعويضا عن حالة الهوان الحاضرة، فيما ينصب الخطاب الغربي على تحديات التنافس المعاصرة وبروح استشرافية للمستقبل.
الحقيقة أن الأمم كالأشخاص، تميل الى إظهار الجانب المشرق لديها، فمن كان مجده الغابر أفضل من حاضره المتعثر، يميل الى إبراز تاريخه ذاك والتغني بما كان عليه أجداده، ومن كان يعيش مرحلة ازدهار وتقدم، فحاضره يغنيه.
ربما كان انصراف الغرب عن استذكار الماضي، أنهم لا يجدون في تاريخهم ذلك الماضي الأكثر إشراقا من الحاضر، فهل سيتذكر الأوروبيون حروب الأطماع الطاحنة الإغريقية والرومانية، أم الحروب الدموية للفايكنغ والهون وحرب المائة عام وحروب نابليون، أم الحربين العالميتين التي أوقدها الأوروبيون وعمت آثارها المدمرة كل العالم؟.
وبماذا سيتغنى الأميركيون بأمجاد تليدة.. هل بإبادة سكان الأميركتين الأصليين أم باستعباد الأفارقة وانتهاج التمييز العنصري؟
ربما هذا يفسر تمايز الخطاب، لكنه لا يبرر انصراف خطابنا الى اجترار الماضي، سواء بكاء على أمجاد دارسة، أو الافتخار بحضارة سادت زمنا ثم بادت، ففي كلتا الحالين إن لم يكن منتجهما التحفيز لانطلاقة مثيلة، فهما مخدر ينسي مشكلات الحاضر، لكنه على العموم ضار؛ إذ يؤجل حل مشكلة التخلف عن ركب الأمم.
لقد كان مما حبى الله به هذه الأمة من مكرمات أن جعل العبادات التي يتقرب الناس بها من الله، وسيلة إجبارية لدوام خيريتها بين الأمم، لكنهم أخذوا ظواهرها وطقوسها، وتركوا معانيها ومراداتها.
ولو أخذنا خطبة صلاة الجمعة على ذلك مثلاً، فهي ميزة مميزة انفردت بها أمة الإسلام، فقد جعلها الله محاضرة أسبوعية، وحضورها إجباريا، الهدف منها أن يقدمها المسؤول، والذي يفترض أن يكون هو الإمام، لأن اختيار الإمام يكون بناء على أفضليته علما وفهما وأخلاقا وخبرة، وفوق ذلك فقهاً وحفظاً للقرآن، وهي الصفات ذاتها المطلوب توفرها للمسؤول السياسي أو الإداري، لذا يقدم الخطيب -الإمام- المسؤول توجيهاته، أو يطرح حلولا لمشكلات آنية ضمن اختصاص سلطته، يقدر أن أهميتها الراهنة مقدمة على غيرها.
لكننا في التطبيق ومنذ أربعة عشر قرنا، وبعد انتهاء الخلافة الراشدة، جرى اختزالها الى مجرد حديث عن الماضي، ممثلا بأفعال أهل القرن الأول الحميدة.
والذي يخطب في الناس موظف يتقاضى أجرا لقاء استكمال تلك الطقوس، التي لن تنتج شيئا، لأن الخطيب ليس مسؤولا عن كلامه؛ إذ ليست له سلطة اتخاذ القرار، فمنذ القدم يكرر الخطباء المقدمة ذاتها التي كان يبدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته: “إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له…الخ”، وينهونها بقولهم: “أقول قولي هذا وأستغفر الله ولكم ويا فوز المستغفرين استغفروا الله”.
وبين المقدمة والخاتمة يتجنبون أي حديث عن الحاضر ومشكلاته، لذلك فيستغرقون في سرد وقائع أحداث فجر الدعوة، والتي يحفظها السامعون عن ظهر قلب، ومجرد التذكير بها لن ينفع، فيخرجون من الجمعة كما دخلوها.
ومن جانب آخر تجد الدعاة والعلماء الذين على رأس واجباتهم الإصلاح، يصرفون اهتمام الناس عن المفاسد في الحياة، بالاستغراق في تفصيلات العبادات، وإيهام العامة بأن الله لن يتقبل طاعاتهم إلا إن كانت حذافيرية.
وهؤلاء النفر من الأمة، الذين ما فتح الله عليهم من العلم، وما رفعهم الله به درجات عن عامة المسلمين، إلا لكي يكونوا مصلحين للأمة ومجددين للدين، ولكي يدفعوا بالأمة للتقدم لكي تتبوأ موقعها الطليعي، وليس لخدمة أصحاب السلطة المنشغلين بتكديس الأموال عن واجبهم في النهضة بالأمة.
لذلك هم المسؤولون بالدرجة التي تلي مسؤولية السلطان عن تردي الأحوال وتخلف الأمة، ومسؤوليتهم ناجمة عن أنهم أصحاب الخطاب المُوجِّه للعامة، والخطاب الناقد الناصح.
هذا الخطاب يفترض به أن يكون مواكبا للأحداث ومعالجا لمشكلات الواقع الراهن، لذلك فهو حداثي الطابع، مستقبلي الرؤية.
لكننا نراه واقعا متعاميا عن كل ذلك، يقفز عن الهدف، لأنهم لا يريدونه أن يحسب خطابا تحريضيا، لذلك لا يجدون وسيلة أسلم من الاستغراق في الماضي وسرد قصصه، ولا يجدون أجدى في التهرب من واجبهم غير الحديث في أخلاق السلف الصالح، والدعوة الى تقليد نمط حياتهم وطابع ملابسهم ومظهرهم الخارجي الذي كانت التقاليد الاجتماعية للعرب ذلك الزمان تفرضه، فيعتبرون أن تقليد تلك المظاهر هي جوهر الدين وعنوانا لاتباع السنة، وتجدهم يتوقفون عند ذلك، ولا يذكرون أن ممارستهم الجهاد والتضحية بالمال والنفس هي التي حمت كرامة الأمة، وليس كثافة لحاهم، وأن من أهم أسباب نصرهم أنهم كانوا يقاتلون تحت قيادة زاهدين في متاع الدنيا مخلصين لهذه الأمة، وليس الأمر عائداً الى قصر (الدشداشة) التي يرتدونها أو طولها.
هكذا نتوصل الى تفسير استغراق الأمة في الهرب من الحاضر الى الماضي، فهي ليست في العقيدة التي تنتهجها، فالعقيدة تقدمية تسعى الى إبقاء الأمة في الصدارة بين الأمم المتنافسة، وتحقق ذلك فعلاً عندما انتهجت التوحيد ونبذت الشرك وعبادة الأوثان، فرفعها ذلك الى القمة، لكن الردة عن ذلك الى تقديس الأشخاص والعودة الى عبادة الأصنام البشرية، أبطلت سر خيرية الأمة المتمثل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتولدت النفسية الانهزامية التي أخلدت الى الأرض.
نستخلص في النتيجة أن الماضوية ليست من الدين، بل سمة الدين التجديد، بدلالة نشوء الفقه وتوسع اجتهادات شيوخه وأئمة مذاهبه في قرون تالية لزمن التنزيل، واستمر ذلك الى اليوم متمثلا في توسع علوم الشريعة وأصول الدين.
وما أسباب انهزام الأمة وتوالي تراجعها، إلا بسبب التخلي عن جوهر الدين ومرادات التشريع، والاكتفاء بالطقوس ومظاهر التدين.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock