أفكار ومواقف

الحدس والتفكير

يدعو كثير من الباحثين في الغرب الأكاديمي والعلمي، وبعضهم يحمل جائزة نوبل في ميدانه، إلى التفريق بين نمطين أو نظامين من العمليات العقلية أو المعرفية: تلك العمليات التي تقوم بها بسرعة ومباشرة مع قليل من الوعي أو دون وعي، والعمليات العقلية الأبطأ والأكثر وعيا وتأملا.
النمط الأول يمثل التفكير الحدسي أو التفكير السريع ويسّمى النظام الأول (1) System؛ والثاني الذي يمثل التفكير ببطء وأناة، ويسمى بالنظام الثاني (2)system
تحدث عمليات الحدس أو التفكير الحدسي “بسرعة أو بصورة مباشرة” مع قليل من الجهد أو بلا جهد، أو كما يقول القاموس العربي (المنجد الجديد) “إدراك ما يراد معرفته إدراكاً مباشراً من دون استعانة بالحواس والعقل”. أي أنه لا يتطلب كثيراً من الانتباه أو التركيز أو التدقيق، أو الجهد، كما أنه لا يتأثر بالذكاء.
أما عمليات النظام الثاني فهي أبطأ (ويجب هنا أن نفرق بين التفكير البطيء (Thinking Slow) وبطء التفكير (Slow Thinking) والتفكير الطويل (Long Thinking ) وإلا وقعنا في خلط أو خطأ شديد).
يتميز النظام الثاني بالانتباه أو اليقظة والتركيز والجهد والصبر والدافعية، والتقيد بالقواعد والقوانين والنظريات ذات العلاقة. ولتوضيح الفرق بين النظامين (1 ، 2) نقدم لكم الأسئلة التالية المتداولة في اختبارات القبول في الجامعات الأميركية المشهورة:
• ثمن مضرب كرة تنس أرضي والطابة (110 دنانير) (مائة وعشرة دنانير) وثمن المضرب يزيد بمقدار مائة دينار عن ثمن الطابة، فكم ثمن الطابة؟
• إذا كانت خمس ماكنات خياطة تنتج خمسة قمصان في خمس دقائق، فكم دقيقة تحتاج مائة ماكنة لإنتاج مائة قميص؟
• ينمو في سطح بحيرة مجموعة من الزنابق التي يتضاعف امتدادها يومياً. إذا كانت تحتاج إلى 48 يوماً لتغطية سطح البحيرة بالكامل، فكم يوماً تحتاج لتغطية نصفها؟

  • ثمن قرن موز وحبة مانجا 37 قرشاً، فإذا كان ثمن حبة المانجا يزيد بمقدار 13 قرشاً عن ثمن حبة الموز، فكم ثمن كل منهما؟
    إن كثيراً من الناس يلجؤون إلى النظام الأول (السريع) للإجابة عن مثل هذه الأسئلة، تتراوح إجاباتهم هنا بين عشرة في السؤال الأول؛ ومائة في السؤال الثاني، وأربعة وعشرين في السؤال الثالث، وعشرة، وسبعة وعشرين في السؤال الرابع، وهي جميعاً أجوبة خاطئة مع أن الأسئلة سهلة ويمكن حلها بسهولة عندما تفهم أو يتم شرحها. لكن الوصول إلى الجواب الصحيح يتطلب إخماد أنفاس جواب مغلوط يخطر على البال فوراً بالحدس.
    وبالعكس من هذه الأسئلة فإن معرفة الجذر التربيعي للعدد (19163) لأقرب رقمين عشريين وبدون آلة حاسبة، يتطلب اللجوء إلى العمليات العقلية للنظام الثاني، وهي عمليات تحتاج إلى انتباه ويقظة وجهد وتركيز ودافعية وتنفيذاً للقواعد والقوانين والنظريات ذات العلاقة بالسؤال.
    في سؤال كهذا لا يوجد دور للنظام الأول. ليس للسؤال جواب حدسي في ايجاد الجذر التربيعي لهذا العدد، ولا يقفز إلى ذهنك أي عدد كجواب محتمل لكن واحداً على معرفة باللوغيرتمات ولديه دافع للحل يستطيع الوصول إلى الجواب الصحيح.
    عندما نفكر في أنفسنا أي مع النفس الواعية فإننا نتعامل مع النظام الثاني. إنه النظام الذي يراقب سلوكنا ويضبطنا ويبقينا مؤدبين ومحترمين في ساعة الغضب، وينبهنا عندما نسوق ليلاً. (الأجوبة بالترتيب: خمسة؛ خمسة؛ 47 ؛ 12 و25؛ 138،43)

إذا لم تعلّم نفسك مدى الحياة، وتتعب عليها، فلن يُعلمك أحد حتى لو كنت طالباً في هارفارد، أو في اكسفورد، أو كمبردج. إذا لم تتأصل عندك هذه العادة تكون المدرسة والجامعة قد فشلتا في تأدية الرسالة.


لا أحد يصفق للخاسرين والمهزومين

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock