أفكار ومواقف

الحديث الغائب في جدال التخاصية

السجالات الساخنة التي طفت أخيرا بقوة حول صفقات التخاصية التي أبرمت خلال العقدين الماضيين، كلها تتناول التخاصية على أنها وبال يجب استئصاله من دون نظرة موضوعية ومجردة.
ففي أحاديث أصحاب الأصوات العالية المرتبطة بالأجواء المحمومة المعبأة، نجد هجوما ضد قطاع خاص يوصف بالفاسد والجشع والمسؤول عن كل الاحتقان المجتمعي. وفي تلك الأطروحات من جانب واحد يعبأ فيها الشارع نحو فهم خاطئ ومسيّس، بعيدا عن أي حوار عقلاني عن مزايا التخاصية عندما تجتمع النزاهة والكفاءة في القطاع الخاص لتطوير الإدارة العامة.
ويخلو الجدال غير المتوازن من الأخطاء المتراكمة للإدارات الحكومية التي تولت إدارة شركاتنا الاستراتيجية في مرحلة سبقت تخاصية الاتصالات والفوسفات والبوتاس والإسمنت أو المطار، لينصبّ النقد كله نحو صفقات التخاصية التي رهنت سيادة البلد وباعت أصول الدولة بأبخس الأثمان.
وفي وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التحقيق في صفقات التخاصية التي غابت عنها الشفافية والمنافسة، يتوجب أن لا نكون انتقائيين؛ ونغفل عن الرأي العام أن الحقبة التي يشاع فيها أن الدولة باعت أصولها كانت هي الحقبة نفسها التي مدت فيها نفوذها الاقتصادي على كل المرافق.
الغيرة الوطنية مطلوبة، لكن إثارة الفزعات الوهمية لا يخدم الحقيقة.
 ومن يجرؤ على الحديث بملء الفم عن الأسباب التي تجعل مالكين أجانب جددا، بقليل من الإدارة، يعيدون ربحية شركات كانت نزيفا على الخزينة، ويتمكنون من أن يحققوا أرباحا من شركات كانت ميزانياتها السنوية تنوء من عبء التكاليف الإدارية الباهضة، وكانت الربحية بعيدة المنال على إدارات نصبتها حكومات متعاقبة؟.
في موازة أي تحقيق عن شبهات الفساد في اجراءات البيع التي شابتها العيوب، فإن تعثر تلك الشركات العامة في مرحلة ما قبل التخاصية منطقي، وكيف نجحت ادارات اختيرت بالتعيين في إلحاق الخسائر تلو الخسائر ونزف المال العام، رغم أن أسواق التصدير كانت منتعشة وكان تمويل الدولي متاحا للتوسع في خطوط الإنتاج وغيرها؟.
والأمثلة كثيرة على مشاريع تعدين كشركة ملح الصافي، على سبيل المثال لا الحصر، والتي نزفت المال العام بدون حسيب أو رقيب في مناخات افتقرت للمساءلة النيابية والشعبية في المراحل الأكثر تغولا للسلطة التنفيدية، هل يصعب معرفة كيف تمكن أصحاب النفوذ من تحويل شركاتنا الحكومية إلى مرتع خصب للمحسوبيات والتعيينات الفئوية في فاتورة ندفع ثمنها الباهض لليوم؟.
حقائق كثيرة ما تزال بعيدة عن الناس، وتعميمات تهدف للتجييش لا لتحقيق العدالة، لأن أصول الدولة لم تبع كما يعتقد الكثيرون بالجملة.
التباكي على أصول بيعت والتخندق والتخفي وراءها، إثارة لغيرة مزعومة لم نرها في هذا الارتهان، على سبيل المثال، للمساعدات الأجنبية التي تقهرنا من الداخل عندما لا نصبح أسيادا على أنفسنا.
مطلوب محاكمة عادلة لنهج التخاصية وسياساته على الأرض وما له وما عليه، في أجواء تسلط الضوء على ما حصل، وتفتح جميع الملفات حتى لا تتحول التخاصية شماعة أخرى من الشماعات التي تختبئ فيها معاقل الفساد تحت شعارات رنانة تدغدغ مشاعر الناس وتفلت فيها هي من العقاب!.

sulieman.khaldi@alghad.jo

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
انتخابات 2020
42 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock