فكر وأديان

الحديث والحداثيون

د. أحمد ياسين القرالة

منهجية التعامل مع الحديث الشريف سنداً ومتناً قديمة بدأت منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وستبقى مستمرة إلى قيام ساعة، مادام هناك عقلٌ واعٍ يسعى لفهم النص الديني وتطبيقه والتفاعل معه.
فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرفض رواية عن النبي عليه السلام اعتوره الشَّك في ثبوتها، ويقول: ما كنا لندع كتاب ربِّنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري أحفظت ذلك أم لا؟
كما كانت السيدة عائشة رائدةً في هذا المجال حيث روي عنها العديد من الحالات التي حكَّمت فيها المنهج العقلي والعلمي في نقد متن الحديث وعدم العمل به إذا تعارض مع القرآن الكريم أو القواعد العامة، ومن ذلك تعليقها على الحديث الذي ينص على أنَّ الكلب والحمار والمرأة يقطعون الصلاة، فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب؟!
كما علقت على رواية عمر لقوله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه” ، بقولها: رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وقالت حسبكم القرآن ” وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ “.
وقد سار على هذا النهج عددٌ من المذاهب الفقهية الإسلامية، فالمذهب الحنفي لا يقبل خبرَ الآحاد إلا بشروط ثلاثة هي : أن لا يكون الخبر في الأمور التي تعم بها البلوى ويحتاج الكافة لمعرفة حكمها؛ لأن احتياج الكافة لمعرفتها يستلزم اشتهارها وانتشارها بين الناس، وأن لا يخالف الحديثُ القواعدَ العامة والقياس، فإذا خالفها تقدمت عليه، والأمر الثالث أن لا يعمل الرواي بخلاف ما روى، إذ كيف للرواي أن يروي حديثاً عن النبي عليه السلام ثم يعمد إلى مخالفته؟!
وعلى نهج الحنفية سار مذهب الإمام مالك إمام دار الهجرة حيث وضع شرطين لقبول خبر الآحاد، الأول: أن لا يخالف الحديثُ القواعدَ العامة وهو يتفق في هذا الشرط مع الحنفية، والثاني أن لا يخالف عملَ أهل المدينة، فإذا خالفه تقدم عليه عملُ أهل المدينة، إذ لا يعقل أن يعمل أهل المدينة بخلاف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما حصل خلاف بين العلماء في قبول خبر الآحاد في الأمور المتعلقة بالعقيدة خاصة تلك التي يترتب عليها خروجُ المسلم من دائرة الإسلام.
ونظراً لوجود العديد من الآحاديث التي أورثت إشكالا في فهم مضمونها إما لتعارضها مع القرآن الكريم أو مخالفتها للعقل أو مجافاتها للقواعد العامة؛ نشأ علم خاص لحل هذه الإشكالات والإجابة عليها هو علم مشكِل الحديث أو تأويل مختلف الحديث، اجتهد العلماء في حلِّ بعض هذا الإشكالات وحاولوا الإجابة عليها، وهذا لا يعني أن كل تلك الإجابات كانت قاطعة أو حاسمة أو مقنعة.
وعلى ذاك النهج سار أناس يعمدون إلى تطبيق منهج عقلي في فهم النصوص وتطبيقها، يسميهم البعض ذماً لهم بالحداثيين أو القرآنيين أو العقلانيين، وهذا توصيف غير دقيق إذ ليس كل من وقف موقفاً علمياً من نص مشكِل لحديث شريف مذموماً أو معانداً للدين، خاصة وأن غاية الكثير منهم الدفاع عن الدِّين ودرء كل ما يثير الشبهات حوله، وذلك بتأويل أو رفض الحديث الذي يعارض القرآن أو صحيح العقل والعلم.
فهؤلاء يعتبرون أن ردّ الحديث أهون وأقلُّ ضرراَ على الدِّين من أن ينسب إليه ما يناقض العلم أو العقل أو يتناقض مع قطعيات القرآن الكريم، فهم يدعون إلى استخدام العقل في فهم الحديث الشريف والتعامل معه، وليس في هذا عيب ولا خلل؛ لأن العقل أساس التكليف ومناطه، إذ ليس من المعقول أن يشترط الإسلام في المسلم العقلَ ليكون أهلا للتكليف ثم يخاطبه بما يناقض عقله إذ لو أراد ذلك لما اشترط فيه العقل ابتداء.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock