أفكار ومواقف

الحد الأدنى للأجور.. حقوق بلغة رأسمالية!

لا أحد يُنكر فضل القطاع الخاص، على الاقتصاد الوطني، ومساهماته في تخفيض نسب البطالة، التي وصلت إلى درجات مرتفعة، ومعدلات الفقر، التي أصبحت في تزايد يوما بعد يوم.. لكن أن تنحاز الحكومة لهذا القطاع، بما يجنيه من أرباح طائلة، وبالمقابل يدفع ضرائب متواضعة إذا ما قورنت بأرباحه، وبالتالي يتم تفضيله على مصلحة المواطن العامل، الذي هو عماد الوطن، فذلك هو الظلم والجنون بعينه.
الكثير من المواطنين، حبسوا أنفاسهم لأشهر طويلة، وهم ينتظرون قرار اللجنة الثلاثية لشؤون العمل، لعلها تخرج بقرار ينصفهم في الوقت الراهن، وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة.. لكن للأسف اللجنة قررت بعد مخاض طويل الإنحياز لأصحاب العمل والقطاع الخاص بشكل عام، ورفعت الحد الأدنى للأجور بمقدار متواضع، يبلغ 40 دينارا، ليصبح 260 دينارا شهريا للعامل الأردني.
هل من المعقول أن تُبالغ الحكومة، في موضوع هضم حق المواطن، إلى هذه الدرجة، حيث تقول الأرقام الرسمية بأن خط الفقر المطلق للأسرة المعيارية هو 480 دينارا شهريا، مع أن جميع مسؤولي هذا البلد متيقنون بأن خط الفقر المطلق أعلى من ذلك بكثير.
القضية، لم تنته عند هذا الحد، حيث أوغلت “اللجنة الثلاثية”، بظلم العامل، عندما أتبعت ذلك القرار، بقرار آخر يقضي بتطبيقه مع بداية العام المقبل، أي بعد عشرة أشهر من الآن… وكأن اللجنة تُغمض عينيها عمدا، عن هم وضنك وضيق عيش المواطن العامل، الذي أصبح بحاجة إلى كل دينار، وتريد أن يزداد فقرا أو بمعنى ثان زيادة الفئة الفقيرة أكثر فأكثر.
حجة وزير العمل نضال البطاينة، في تعليل ذلك، هو “إعطاء فرصة لأصحاب العمل لترتيب أوضاعهم المالية”… وكأن لسان حاله يقول بأن العامل الذي يتقاضى مقابل نحو عشر ساعات عمل يوميا، فتاتا من المال لا يكفي لسداد أجرة بيت وفواتير الكهرباء والمياه والمحروقات، ثم خبز، ليس من ضمن أولويات الحكومة، التي باتت بالفعل تُفضل أصحاب رأس المال عليه.
ويُعلل البطاينة بأن التأخير يهدف لـ”تضمين الحد الأدنى للأجور اقتطاعات الضمان الاجتماعي”.. وكأن الوزير نسي أو تناسى بأن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تعطي مهلة للقطاع الخاص حتى نهاية آذار من كل عام، لترتيب أمور “الاقتطاعات”.
“اللجنة الثلاثية”، لم تكتف بذلك، بل قامت باستثناء العاملين في قطاع الألبسة والغزل والنسيج من قرار “الرفع”، ما يشير أن عاملي هذا القطاع ليسوا في “حسبة” الحكومة، التي باتت تُفضل وتُميز عمالا على آخرين.
أما موضوع “الإلزام بزيادات سنوية على الحد الأدنى للأجور، وربطها بمعدلات التضخم لكل عام”، فإن ذلك يُعتبر “ذرا للرماد في العيون”، فقد اتخذت اللجنة المعنية مثل هذا القرار، عندما قررت في العام 2017 رفع الحد الأدنى للأجور لـ220 دينارا، ولكنها لم تُنفذه، منذ تلك الفترة، وبقي معمولا به حتى الآن.
ولم تُخبرنا اللجنة، كيف ستطبق القرار الجديد بداية العام المقبل، وبنفس الوقت بعد شهر أو شهرين، ستقوم بربطه بأرقام التضخم.. بمعنى هل سيتم زيادة الحد الأدنى للأجور في شهر كانون الثاني 2021، وبعد شهرين سترفعه مرة أخرى، وذلك تطبيقا لقرارها “ربط الأجور بالتضخم”؟!.
عجبا أمر هذه الحكومة، التي تُصرح ليل نهار، بأنه يجب عدم الاعتماد على القطاع العام في عملية التوظيف أو البحث عن فرص عمل، وعليهم التوجه إلى القطاع الخاص، ثم تقرر زيادات أقل من متواضعة للعاملين في هذا القطاع، ويا ليت الزيادة سنوية، فهي تُقر كل فترة وأخرى، لا تقل المدة بينهما عن ثلاثة أعوام!.
ولو كانت الحكومة صادقة في طرحها بموضوع دعم القطاع الخاص، وعامليه، لكان على الأقل قامت بتغطية “اشتراكات” الضمان الاجتماعي، وبالأخص لأولئك العاملين في مؤسسات ذات رأسمال بسيط أو متوسط، وذلك لضمان توفير حياة كريمة للعاملين وأسرهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock