اقتصادتحليل إقتصادي

الحرب الأوكرانية والأمن الغذائي العربي

عدنان أحمد يوسف*

كنا قد بدأنا بالحديث عن تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية على الاقتصاديات المحلية والخليجية والعربية، وقد تناولنا قبل نحو أسبوع مظاهر هذه التداعيات في قطاع الطاقة باعتباره من أهم القطاعات الحيوية المرشحة للتأثر بهذه الحرب لكون روسيا من المصدرين الرئيسيين للنفط والغاز إلى الدول الأوروبية، وفرض العقوبات على هذه الصادرات سوف يرفع الطلب عليها في بلدان أخرى، لكن استنتجنا مع ذلك أن هذه البلدان لن تكون قادرة على سد النقص، مما يعرض الأسعار إلى الارتفاع، وهذا ما نشهده في الوقت الحاضر، ولذلك تبعاته على الاقتصاد العالمي وآفاق نموه خلال العام 2022، حيث لاحظنا قيام الصين مثلا بتخفيض توقعاتها لنموها الاقتصادي من 7.7 % إلى 5.5 % العام 2022.
قبل أيام نشر اتحاد المصارف العربية دراسة مهمة حول تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية على الأمن الغذائي الخليجي، وهو جانب حيوي واستراتيجي للاقتصاد العربي، ولذلك وددنا عرض هذه الدراسة لإبراز أهميتها.
أهم مادة غذائية لها تأثير مباشر على الأمن الغذائي العربي هي الحبوب، وهي مادة غذائية استراتيجية كما نعلم، وذلك بسبب اعتماد عدد كبير من الدول العربية، وبشكل كبير جداً، على واردات الحبوب من كل من أوكرانيا وروسيا، مع الإشارة بأن هذه الحرب قد دفعت بأسعار القمح صعوداً لتصل الى مستويات لم تسجلها منذ 14 عاماً.
وتمثل صادرات روسيا وأوكرانيا من القمح والذرة جزءاً كبيراً جداً من الصادرات العالمية من هذين المنتجين. وقد بلغت نسبة صادرات روسيا من القمح العام 2020 نسبة 19.4 % من صادرات القمح العالمية، و1.2 % من صادرات الذرة، و2.2 % من صادرات طحين القمح. في المقابل، بلغت صادرات أوكرانيا من القمح نسبة 9.4 % من مجمل الصادرات العالمية العام 2020، وصادراتها من الذرة نسبة 15.1 % من الصادرات العالمية، وطحين القمح نسبة 1.9 %. وعليه، فقد بلغت صادرات هاتين الدولتين نحو 55,323 ألف طن من القمح العام 2020، مثلت نسبة 28.8 % من الصادرات العالمية، ونحو 30,242 ألف طن من الذرة، مثلت نسبة 16.3 % من الصادرات العالمية، ونحو 468 ألف طن من طحين القمح، مثلت نسبة 4.1 % من الصادرات العالمية. تدل هذه الأرقام على الاهمية الكبيرة لروسيا وأوكرانيا في انتاج وتصدير القمح والذرة عالمياً، وخطورة انقطاع صادراتهما عن الأسواق الدولية.
وتعتمد الدول العربية بشكل كبير على واردات القمح من روسيا واوكرانيا، حيث تظهر البيانات ان الدول العربية قد استوردت نحو 13,165 ألف طن من القمح من روسيا (بتكلفة 2,847 مليون دولار) ونحو 7,598 ألف طن من أوكرانيا (بتكلفة 1,527 مليون دولار) العام 2020. وقد شكلت واردات القمح الروسي الى الدول العربية نسبة 35.3 % من مجمل صادرات روسيا من القمح، في حين شكلت واردات القمح الاوكراني الى الدول العربية نسبة 42.1 % من مجمل صادرات أوكرانيا من القمح. وعليه، فقد بلغ مجمل واردات القمح الى الدول العربية نحو 20,763 ألف طن العام 2020، مثلت نحو 10.8 % من مجمل صادرات القمح العالمية، ما يدل على الاعتماد الكبير للدول العربية على هذه السلعة من جهة، واهمية السوق العربية بالنسبة للقمح من جهة أخرى. أما بالنسبة لمجمل تكلفة استيراد القمح من روسيا وأوكرانيا الى الدول العربية، فقد بلغت نحو 4,374 مليون دولار.
اما على صعيد كل دولة، فقد احتلت مصر المرتبة الأولى عالمياً في استيراد كل من القمح الروسي والأوكراني، حيث استوردت نحو 8,255 ألف طن من القمح الروسي ونحو 3,075 ألف طن من القمح الاوكراني العام 2020. وهكذا تكون مصر قد استوردت نسبة 62.7 % من واردات القمح الروسي الى الدول العربية و22.1 % من مجمل صادرات روسيا من القمح، و40.5 % من مجمل واردات القمح الاوكراني الى الدول العربية ونسبة 17.0 % من مجمل صادرات أوكرانيا من القمح. وقد تلا مصر من حيث حجم استيراد القمح من روسيا وأوكرانيا، اليمن، بمجمل واردات بلغت نحو 1,504 ألف طن، فالسودان (1,443 ألف طن)، فالمغرب (1,379 ألف طن)، فتونس (1,095 ألف طن)، فلبنان (829 ألف طن)، فليبيا (717 ألف طن)، فالإمارات العربية (686 ألف طن)، فالأردن (517 ألف طن)، ثم تأتي بقية الدول.
وخلاصة القول إن الاعتماد الكبير لمعظم الدول العربية على واردات القمح والذرة من كل من روسيا وأوكرانيا يمثل تحدياً جدياً فيما خصّ الامن الغذائي العربي، وخاصة مع ارتفاع الأسعار وتأثيرها على المواطنين من ذوي الدخل المحدود، الأمر الذي يستدعي السعي الى تعزيز الامن الغذائي ذاتياً، عبر الاستثمار في مشاريع زراعية عربية مشتركة، وذلك في ظل وجود فوائض مالية ضخمة وأراض شاسعة قابلة للزراعة بالحبوب والقمح على امتداد الوطن العربي.

*رئيس جمعية مصارف البحرين، رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock