صحافة عبرية

الحرب القادمة حسب غانتس

هآرتس
عاموس هارئيل  11/10/2013

الخطاب الذي سيذكر بانه الخطاب الاهم في ولايته ألقاه هذا الاسبوع رئيس الاركان، بني غانتس امام قاعة شبه فارغة في جامعة بار ايلان. بعد يومين من استغلال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المنصة في المؤتمر العشرين لمركز بيغن – السادات لاظهار التصلب بلا هوادة في كل المسائل المركزية، من التهديد الإيراني وحتى الساحة الفلسطينية، حاول غانتس ان يرسم وجه الجيش الإسرائيلي والحرب المستقبلية بعد عقد أو اكثر.
كان هذا خطابا طموحا. يخيل ان غير مرة مر في ذهن المستمعين السؤال: من أجل ماذا نحتاج إلى ذلك؟ كان يمكن بسهولة تفسير أقوال رئيس الاركان كمحاولة للتخويف.
هذا ليس مفاجئا على ما يبدو في أن صحف الغداة أطرتها كسيناريوهات رعب. كان هناك حتى من ربط الخطاب بالصراع الدائر على ميزانية الدفاع.
يكثر رؤساء الأركان في إسرائيل من الخطابة علنا، ولا سيما عندما تقترب ولاياتهم من نهاياتها. وبشكل عام تنقسم خطاباتهم إلى نوعين: أقوال في مناسبات رسمية (احتفالات تخليد، ايام ذكرى ومواعيد وطنية)، كلها أطياف تقوم أساسا على رسائل رسمية صيغت في جوهرها حتى قبل ان يجند رئيس الاركان القائم للجيش الإسرائيلي؛ وخطابات “استراتيجية” يستعرض فيها رئيس الأركان بنبرة متشددة المخاطر في الساحة حول إسرائيل ويحذر من المس بالميزانية مما سيضعف قوة الجيش الإسرائيلي.
أما غانتس فاتخذ طريقا مختلفا، فقد قال لمستمعيه انه يأمل ان يغفروا له اذا لم يطلعهم على ما أسماه “الانتقال التقليدي على التغييرات في كل ساحة وفي كل دولة مجاورة”. وبدلا من ذلك، اكتفى بتلخيص بعض الميول الاستراتيجية. فقد وصف الشرق الاوسط بانه يعيش في “عدم استقرار ثابت” شوش تماما النظام الاقليمي. وأحصى غانتس التغييرات بايجاز: اسقاط نظام مبارك حيث أن “الرئيس الذي تلاه ايضا لم يعد ذا صلة”. القطيعة بين غزة ومصر بعد الانقلاب العسكري في القاهرة، عزل قيادة حماس في القطاع، ونشوب تهديد الارهاب في سيناء. ونتيجة التغييرات المتواترة هي “أننا لا نعرف كيف نتعهد مسبقا بان ينتهي اليوم الذي بدأ لتوه”. ومن جهة اخرى أحصى أيضا التطورات الكفيلة بان تظهر كتطورات ايجابية: الاتفاق على اخراج السلاح الكيميائي من سوريا، امكانية المفاوضات الدبلوماسية لعقد صفقة مع إيران على البرنامج النووي، تسوية محتملة مع السلطة الفلسطينية. هذه الميول، قال غانتس، يمكنها أن تؤدي “الى ما وصفه أعظم مني في ظروف اخرى – شرق أوسط جديد” (في هذه المرحلة يخيل أنه سجلت حركة عدم ارتياح في القاعة).
إسرائيل، حسب غانتس، تنتقل من محيط لانظمة تؤدي دورها إلى التصدي لدول تتفكك إلى عناصر فرعية، “اشباه دول ولكن ذا قدرات تنفيذية كبيرة”. في مثل هذا المجال سيتعين عليها أن تحاكم جيرانها وخصومها حسب الافعال والنتائج وليس حسب التصريحات والنوايا أو على حد قوله حسب “اختبار الافعال” وليس جمال الفاعلة”. وسيقع تغيير تدريجي في مزايا القتال. وسيواجه الجيش الإسرائيلي عدوا ذا قدرة متطورة، متناثر ومموه، يعمل من خلال ظهر السكان المدنيين.
لقد اختار رئيس الاركان أن يركز على ما وصفه باللقاء الاستراتيجي مع الواقع: “كان بودي أن أروي لكم عن الصباح الاول للحرب التي سيلتقي بها رئيس الاركان المستقبلي. ولعله اليوم لا يزال قائد فرقة. بعد عشر سنوات أو ربما بعد سنتين – ثلاث سنوات، سيفتح عينيه بعد عدد غير كبير من ساعات النوم، من مكالمة مدير المكتب في الساعة الرابعة صباحا. ما الذي سيقوله رئيس المكتب؟ المعركة التالية، حسب غانتس، قد تبدأ بنار صاروخ دقيق، يضرب مبنى هيئة الاركان في وزارة الدفاع في تل أبيب، بهجمة الكترونية تشل الخدمات اليومية للمواطنين من الاشارات الضوئية وحتى البنوك. في نفق متفجر يؤدي إلى انهيار روضة أطفال أو في هجوم لحشود عربية على بلدة إسرائيلية قرب الحدود.
وفصل رئيس الاركان سيناريو في ساحة محددة، ويبدو أن ليس بالصدفة: عملية على الحدود في هضبة الجولان، التي تنتقل بالتدريج بعد نحو 40 سنة من الهدوء المطلق إلى عدم استقرار مقلق. وحسب السيناريو الافتراضي الذي وصفه، فانه سيتم تفجير عبوة جانبية، وسيطلق صاروخ مضاد للدبابات نحو دورية على طول الجدار، في صيغة تذكر بهجوم حزب الله في بداية حرب لبنان الثانية في 2006. سيختطف ثلاثة جنود، أحدهم قائد كتيبة. منظمة جهادية ما – مما قيل يفهم بان هذه منظمة سنية تستلهم من القاعدة – وهي التي ستعلن المسؤولية عن العملية.
ولكن ليس مثلما في 2006، فان العملية في ساحة واحدة ستشعل النار في معظم الحدود في “معركة متعددة الجبهات وفورية”. حزب الله سيطلق الصواريخ نحو الجليل، منظمات الجهاد ستواصل محاولات التسلل في الجولان (غانتس لا يشرح كيف ولماذا ستنسق المنظمة الشيعية الاعمال مع منظمات سنية، في الجانب الاخر من المتراس في النزاع العربي). دقة الصواريخ ستزداد، “واذا ما اختار حزب الله ضرب هدف موضعي، ففي كل إسرائيل تقريبا، سيعرف كيف يفعل ذلك”. وستطلق الصواريخ نحو ايلات. مئات من نشطاء حماس سيهاجمون حواجز الجيش الإسرائيلي على حدود القطاع.
 والى جانب المعركة على الحدود، التي ستؤثر بشكل شديد ايضا على الجبهة الإسرائيلية الداخلية، يعتقد رئيس الاركان بانه “ستعربد معركة الكترونية هائلة ستؤثر ليس فقط على المنظومات العسكرية بل وعلى المنظومات المدنية ايضا”. ستكون هذه حرب “شبه مكشوفة”، وذلك لان الاعلام في الطرفين سيغطيها بكثافة في الزمن الحقيقي. وستحاول إسرائيل ولكنها لن تستطيع الامتناع تماما عن اصابة مدنيي العدو – وكل حدث قتل كهذا سيشجع اجراءات نزع الشرعية ضدها في العالم وطلب دولي لوقف اعمال الجيش الإسرائيلي فورا.
وحرص غانتس هنا على أن يسجل ملاحظة في الطابو: “واقع النار التي سنقف حيالها لا تسمح احيانا التمييز الكامل بين المواطن والمخرب، وهذا التشويش سيجد تعبيره في نتائج غير مرغوب فيها على المستوى العملياتي والتي تشكل لاسفنا جزءاً لا يتجزأ من الحرب”. وفي زمن ما في المستقبل سيضطر خليفته إلى أن يحسم في المعضلة التي بين “شدة النار التي سيستخدمها ردا على الهجوم في مواجهة خطر التدهور إلى حرب شاملة”.
في ضوء الضرر الشديد الذي سيلحق بالجبهة الإسرائيلية والضغط الدولي لوقف النار “من اللحظة التي تنشب فيها الحرب تنقلب ساعة الرمل. دولة إسرائيل تدفع الثمن بالدماء، بكل معنى الكلمة، على كل ساعة يستمر فيها القتال. والساعة تستوجب من الجيش الإسرائيلي العمل بسرعة”. في الخلفية، كما تحدث غانتس في مكان آخر، يحوم توقع متعاظم في الجمهور الإسرائيلي “بنصر سريع وواضح.
وحيال هذه التهديدات المتوقعة يبنى الان رد تنفيذي. عمليا، عرض غانتس في المحاضرة صيغة موجزة، غير سرية، لوثيقة بلورها مؤخرا، ووزعت على الضباط الكبار وعنوانها “الجيش الإسرائيلي 2025”. وهذه هي خلاصة الاصلاح الذي يتخذه الان الجيش الإسرائيلي في الجيش في ضوء ارتباط سياقين: التغييرات الاقليمية التي ذكرها واضطرارات الميزانية التي لا تسمح للجيش الإسرائيلي بان يفحص ويطبق ببطء التغييرات اللازمة. ويرى غانتس في التوقيت الحالي فرصة وضرورة لادخال تعديلات، في ظل تقليص حجم القوات في بعض الوحدات، تغيير مبنى القوة وتقليص كلفة العيش الجاري. ويشدد رئيس الاركان على حاجة الجيش للتجرؤ على التغيير، على أن يعمل ذلك بمسؤولية.
وأبرز غانتس، في الوثيقة وفي الخطاب، اهمية الحفاظ على قدرة المناورة البرية للجيش الإسرائيلي. ولكنه شدد على الميزة في وسائل اخرى، كثيرة التكنولوجيا: أولا وقبل كل شيء سلاح الجو والى جانبه قدرة الاستخبارات المحسنة، القتال الالكتروني واستخدام النار الدقيقة من البر ومن البحر. والى جانب ذلك الحاجة إلى تعزيز الدفاع، ليس فقط في الالكترونيات ومنظومات التحصين للمركبات مثل “سترة الريح” لدبابات مركفاه، بل بالاساس في منظومات اعتراض الصواريخ والمقذوفات الصاروخية، من حيتس وحتى القبة الحديدية. والرد العملياتي على التهديدات منوط بتحسين “الشبكة”: نقل المعلومات من جملة وسائل الجمع والمصادر الاستخبارية، الرقابة على عمل القوات والعلاقة المباشرة بينها – الطيار قائد السرية اللذين سيشخصان ذات الاهداف، الطائرة بدون طيار والسفينة اللتي ستتبادلان المعلومات والمهام. وستنضم إلى القتال في المستقبل كميات من “الادوات الاوتوماتيكية، الروبوتات، في الجو وفي البحر وربما ايضا في البر”.
هذه رؤيا مثيرة جدا للانطباع، تطبيقها منوط بالشكل الذي ستتخذ فيه القرارات في القيادة السياسية والامنية، وفي المشاكل التي ستعلق فيها إسرائيل في السنوات القادمة، سواء بمبادرتها أم كنتيجة لاعمال خصومها.
رئيس الاركان، في خطابه، تناول حربا اخرى كحدث شبه مسلم به، توقيته فقط غير معروف. وامتنع عن الحديث عن امكانية اندلاع القتال بسبب خطوة تبدأ بها إسرائيل، رغم ان هذا هو الامر الذي حصل في الحملتين الكبيرتين الاخيرتين في غزة “الرصاص المصبوب” و “عمود السحاب” (كما يمكن حتى الادعاء بان لبنان 2006 ما كانت لتعرف كحرب لو قررت حكومة اولمرت تأخير رد فعلها على اختطاف الجنديين الاحتياط). وبرز ايضا القسم الهامشي نسبيا الذي أدته إيران في سيناريو الحرب الذي رسمه غانتس.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock