ترجمات

“الحرب على الإرهاب” ليست قابلة للكسب والخسارة

ماثيو ليفيت* – (معهد واشنطن) 11/9/2021

بعد مرور 20 عاماً على هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، يتحدث محلل في شؤون الإرهاب في “مكتب التحقيقات الفدرالي” عن حرب لا يمكن الفوز بها. وحسب رأيه، في الوقت الذي تعيد فيه واشنطن ضبط استراتيجيتها باهظة الكلفة ضد المتطرفين العنيفين، يجب أن يكون هدفها هو تقليص الإرهاب إلى مستوى منخفض من التهديد بحيث يمكن لأجهزة إنفاذ القانون أن تتعامل معه.
* * *
عندما وقعت هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، كنت محللاً رفيعاً لشؤون مكافحة الإرهاب في مقر “مكتب التحقيقات الفيدرالي” في العاصمة الأميركية، واشنطن، وركزتُ على الإرهاب في الشرق الأوسط ومنه. وكانت وتيرة التهديدات المرتبطة بتنظيم القاعدة تتصاعد منذ مطلع هذه الألفية. وبحلول ربيع وصيف العام 2001، كان النظام المتعلق بالإرهاب يُطلق جرس الإنذار، حيث جمعت وكالات الاستخبارات أخباراً عن مخطط وشيك، ولكنها عجزت عن الحصول على معلومات قيّمة يمكن البناء عليها لمواجهة التهديد.
ومن المفارقات أنني كنتُ خارج مكتبي في ذلك الصباح المشؤوم، بعد أن أفرغتُ جدول أعمالي قبل أشهر من ذلك اليوم لكي آخذ يوم إجازة للعمل على أطروحتي. وساعدتُ زوجتي وأولادي على ترتيب أمورهم للخروج من المنزل وجلستُ أمام حاسوبي ليظهر على شاشتي خبر يقول إن طائرة مروحية اصطدمت بالبرج الشمالي من “مركز التجارة العالمي”. وفي الحال، قمتُ بتشغيل التلفاز وشاهدتُ طائرة “الرحلة 175” للخطوط الجوية المتحدة، شركة “يونايتد إيرلاينز”، وهي تصطدم بالبرج الجنوبي. وفي غضون ساعات، كنت أجلس في “مركز المعلومات والعمليات الإستراتيجية” التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي، حيث كُلِّفتُ بقيادة فريق التحليل المكلف بالتركيز على “الرحلة 175” المذكورة.
أتذكر جيداً الشعور بالاستجابة الفطرية للخطر المتمثلة في “المواجهة أو الهرب”. وقد تسمر الناس أمام أجهزة التلفاز ليشاهدوا الطائرات وهي تصطدم بالأبراج مراراً وتكراراً على أخبار القنوات الفضائية، وشعرتُ بالامتنان لكوني جزءاً من استجابة مكتب التحقيقات الفدرالي. فبخلاف الكثيرين، كان يمكنني القيام بشيء ما فعلياً. وقد عملتُ أنا وزملائي لمدة 15 ساعة في اليوم وستة أيام في الأسبوع في محاولتنا -ليس لتحديد من نفَّذ الهجمات فحسب، بل لكشف ومنع الهجمات اللاحقة التي كنا نخشى أن تكون مقبلة. وكانت الاستخبارات والمعلومات من العامة وسُبل التحقيق تتحرك مثل موجة المد والجزر، وكان فهم كل ذلك في الوقت المناسب مهمة هائلة.
ولكن، مع تحوّل الأيام والأسابيع إلى أشهر وسنوات، لم يتطور ما قمنا به لمواجهة الإرهاب بشكل كبير. وكان من المنطقي أن ينصب تركيز كامل العمل البيروقراطي المعني بالأمن القومي في الولايات المتحدة والبلاد برمتها، مباشرةً بعد 11 أيلول (سبتمبر) على جلب الجناة أمام العدالة ومنع وقوع هجوم آخر فقط. ولكن بعد ذلك، كان يتعيّن علينا التكيّف -سوى أننا لم نفعل.
على الفور، أدرج مسؤولون أميركيون، بدءاً بالرئيس جورج دبليو بوش، مساعي مكافحة الإرهاب في إطار حرب لا بدّ من الفوز بها. وكانت تلك خطوة ملائمة وسط حاجة الأميركيين إلى سماع أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنه سيتمّ العثور على الإرهابيين ومعاقبتهم، في وقت كان لا بدّ فيه من تحفيز البيروقراطية الحكومية لضمان أمن البلاد على وجه السرعة.
وخلال العقدين التاليين، بنت الولايات المتحدة مؤسسة لمكافحة الإرهاب من خلال معلوماتها الاستخباراتية وعمليات إنفاذ القانون والهيئات العسكرية التي حققت نجاحاً ملحوظاً من منظور تكتيكي، والذي تمثّل في إحباط الهجمات وتعطيل الشبكات الإرهابية. لكنها لم تكن ناجحة بالقدر نفسه من ناحية الميزة الاستراتيجية، نظراً لأن عدد الأفراد ذوي الفكر المتطرف العنيف يفوق اليوم ما كان عليه في العام 2001 كجزء من تهديد إرهابي أكثر تنوعاً وانتشاراً على الصعيد العالمي. والآن، بعد مرور عقدين على أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ازدادت قاعدة بيانات الحكومة الأميركية عن الإرهابيين المعروفين أو المشتبه بهم بمقدار 20 ضعفاً تقريباً.
في الحقيقة، ليس الصراع مع الإرهاب حرباً يمكن كسبها أو خسارتها. فالولايات المتحدة لم تخض مطلقاً “حرباً على الإرهاب” بأكثر مما خاضت حرباً على الجريمة أو المخدرات. وبالتالي، لا يمكن قياس جهود مكافحة الإرهاب من حيث الانتصار أو الهزيمة. بدلاً من ذلك، يجب أن يُنظر إليها على أنها جزء من جهد مستمر -بخلاف كل من الحرب والسلام- لتعطيل أعمال الإرهاب والتنافس مع الخصوم ومعالجة القضايا الأساسية التي تجعل أقلية خطيرة من الناس تعتقد أن السبيل الوحيد لتحقيق أهدافها الاجتماعية أو السياسية ستكون من خلال العنف الذي يستهدف المدنيين.
من خلال حشد الكثير من الموارد لمهمة مكافحة الإرهاب لفترة دامت عقدين من الزمن، ذهبت جميع تلك الأموال والأصول الاستخباراتية وغيرها في المقام الأول إلى دعم الأعمال العسكرية. وقد طال أمد هذه المهمة من خلال توسيع نطاق الأمن القومي لمواجهة تهديدات رئيسية أخرى، بدءاً من الأمن السيبراني إلى تغير المناخ، وتقليص برنامج مكافحة الإرهاب لجعله في متناول الجميع على المدى الطويل.
سوف يتطلب ذلك استثماراً أقل في القوة الصلبة (العسكرية) باهظة الكلفة، واستثماراً أكبر بكثير في القوة الناعمة غير المكلفة، (الاستخبارات، والدبلوماسية، وبناء القدرات المدنية). وهو تَحوّل سيستلزم فترة من إعادة التوازن، إلى جانب انتقال العبء إلى الشركاء والحلفاء.
على الولايات المتحدة الاستفادة من إداراتها ووكالاتها المدنية لمساعدة الدول الأجنبية على التعامل مع التطرف بنفسه، واعتقال المشتبه بهم ومحاكمتهم في إطار سيادة القانون مع احترام حقوق الإنسان، والعمل مع شركاء من القطاع الخاص وغير الحكومي لبناء مجتمعات قادرة على الصمود. وعلى واشنطن أن تستثمر في الإدارات والوكالات المدنية الخاصة بشركائها، مثل وزارات العدل والداخلية، والأمور المتعلقة بالإصلاحات.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تسعى هذه التغييرات في السياسة إلى الحفاظ على الإنجازات العديدة في مكافحة الإرهاب التي تم إحرازها بالفعل. على سبيل المثال، يجب على الولايات المتحدة التفكير في الاحتفاظ بأعداد صغيرة من القوات في المواقع الرئيسية من أجل نزع فتيل التحديات العالمية، وإن لم يكن ذلك بقصد إيجاد الحل لها. وقد تكون المهمات الصغيرة لمكافحة الإرهاب في العراق وسورية وأفريقيا -ونعم، في أفغانستان- ضرورية لمنع الجماعات الإرهابية من السيطرة على الأراضي أو التخطيط لشن هجمات في الخارج من ملاذاتها الآمنة. ويمكن أن يتولى إدارة عمليات النشر هذه شركاء دوليون بدلاً من الولايات المتحدة، مثل “عملية برخان” التي تقودها فرنسا في منطقة الساحل بأفريقيا، أو المهمة في العراق حيث يتزايد انتشار قوات حلف “الناتو”.
وعلى غرار جهود مكافحة الجريمة أو المخدرات أو الفساد أو غيرها من الأنشطة غير المشروعة، ستكون مكافحة الإرهاب جهداً مستمراً. وفي حين أنه لا يمكن هزيمة أي من هذه الأنشطة الخبيثة، إلا أن الجهود المستمرة لمكافحتها يمكن أن تكون فعالة للغاية. فقبل عشرين عاماً، وفي خضم الأحداث المتسارعة، كان رد الولايات المتحدة على مكافحة الإرهاب تكتيكياً بالكامل، بهدف منع الهجوم التالي. ثم أدت السياسة والتهديدات المستمرة والجمود البيروقراطي إلى منع أي إعادة تقييم جادة لتلك الاستراتيجية. واليوم، من الضروري أن تركز واشنطن -ليس على وقف المؤامرات التي يتم تخطيطها كل يوم فقط، بل وأيضاً على تقليص عدد الذين ينجذبون إلى الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة.
بخلاف الحروب التقليدية، ليست هناك نهاية أو استراتيجية خروج لهذا الصراع ضدّ الإرهاب. ولذلك، يتعين على القادة إبلاغ الشعب أن الإرهاب هو تكتيك، وأن دحره بشكل كامل هو أمر مستحيل وغير ضروري على حد سواء. ويجب أن يتجنبوا استخدام اللغة التي تلمّح إلى أن الإرهاب سينتهي أو يُهزم، وأن يتحدثوا بدلاً من ذلك عن الإرهاب على أنه خطر يجب أخذه على محمل الجدّ، ولكنه لا يمثل تهديداً وجودياً للبلاد. يجب أن يكون الهدف هو الحدّ من الإرهاب ودفعه إلى مستوى منخفض من التهديد من النوع الذي يمكن لوكالات إنفاذ القانون التصدي له، تماماً كما تفعل عندما تواجه باقتدار التهديدات الأخرى.
*زميل “فرومر- ويكسلر”، ومدير برنامج “راينهارد للاستخبارات ومكافحة الإرهاب” في معهد واشنطن، ومؤلف مذكرته الانتقالية للعام 2021 بعنوان “إعادة التفكير في جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب: نحو خطة مستدامة بعد عقدين من 11 أيلول (سبتمبر)”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock