أفكار ومواقف

الحرب في أوكرانيا.. الدولة في مواجهة ما بعد الدولة

سامح المحاريق

تكاد الحرب المرتقبة في أوكرانيا، حدثت أو لم تحدث، تكون تعبيراً عن صراع جديد بين الدولة وما بعد الدولة، ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الذكاء في أن الجانب الروسي يمثل الدولة في هذا الصراع، أما الولايات المتحدة فتمثل مرحلة ما بعد الدولة، حيث أعملت النيوليبرالية مخالبها في بنية المؤسسات الأميركية وصولاً إلى مرحلة يتلاسن خلالها رئيس الولايات المتحدة مع رجل الأعمال واسع الثراء إيلون ماسك، والأخير، الذي استطاع أن يجني ثروة طائلة من المعاملة الضريبية التمييزية لابتكارات شركته ودورها المزعوم في محاربة التغير المناخي، أصبح من السطوة بحيث يمكن أن تغير تغريدة منه اتجاه الأسواق، فتصنع بعض المليونيرات وتلحق الخسائر الفادحة بآخرين.

هذه الحقيقة تدركها روسيا التي تظهر في صورة الدولة المتماسكة وتعرف أنها تقف على ثروات هائلة سيأتي الوقت للاستفادة منها، ولذلك فهي تعتز بفكرة الأرض الأم، وتدفع أبناءها تحت علم واحد للتضحية من أجل أرضهم، وفي هذا السياق، يقارن الأميركيون بين فيلم دعائي للجيش الروسي وآخر للأميركي، فبينما يتم تأهيل الجندي الروسي لأسباب وطنية في المقابل يقدم الجيش الأميركي نفسه في صورة المؤسسة الرعائية لفتاة تدافع عن العلاقات المثلية، فالأميركيون الغارقون في سياسات الهوية لا يستطيعون اليوم الوقوف على أرضية صلبة من القناعات التي تدفعهم لخوض الحرب وفق شروطها التقليدية، جيشاً مقابل جيش، وليس مجرد عمليات عسكرية محدودة تشبه إدارتها عمليات الألعاب الإلكترونية.

العقيدة الأميركية التي سوقت كثيراً مسؤوليتها تجاه العالم لتعزيز الحرية والعدالة وحقوق الإنسان تعاني من النتائج الواضحة للحروب الأميركية الأخيرة التي فشلت في تحقيق هذه الأهداف بصورة ذريعة، فأطلقت فساداً متوحشاً وفوضى عارمة في العراق، ومنيت بهزيمة مخجلة في أفغانستان وهي تترك البلاد لحركة طالبان بإعلان واضح لفشلها في أطول حروبها، وذلك لم يعد الأميركيون يصدقون الدعاوى السينمائية الساذجة لمبادئ بلادهم، وهذه مشكلة تظهر أيضاً أمام تعدد الروايات المضادة التي ظهرت مع انفتاح وسائل التواصل لتكشف الجوانب المتوارية في الأماكن المعتمة.

الإمبراطورية الأميركية تعاني على المستوى العملي والفكري، هي لم تصل إلى الإفلاس بعد، ولكن أدواتها تبدو غير قادرة على التعامل مع تحديات قيادة العالم، وبينما يتصاعد التنظير الأميركي حول عوالم أخرى موازية، من العملات المشفرة إلى الميتافيرس فإن وقائع كثيرة ترتبط بمشكلات عملية مثل الغذاء والتدفئة وفرص العمل يتم مناقشتها في العالم.

التكنولوجيا التي بقيت في خدمة المجتمع والدولة تمردت لتصبح التكنولوجيا من أجل التكنولوجيا، والشركات التي كان يفترض أن تقوم بدورها في تعزيز حياة الإنسان أصبحت تنتزع الإنسانية المناسبة لها من أجل الاستثمار فيها، وبين وجود مادي ممعن في حسابات الحديد والصلب والبترول والقمح في الجانب الروسي، يتعامل الأميركيون مع فضاء افتراضي من الدبلوماسية وكأن العالم سينتظر معاهدهم الفكرية لترسم الطريق إلى المستقبل.

الدولة ستتغير ويجب أن تتغير، ولكن وصولها إلى انتهاء الصلاحية ما يزل مبكراً للغاية، والتحدي التكنولوجي ليس أول تحد تجاوزته الدولة منذ تأسيسها بعد عصر النهضة الأوروبية، فقبله كان عصر المصارف والاقتصاد المعولم، وكلها لم تسفر عن تفكك الدولة ومغادرة تحدياتها الواقعية، ولذلك فالتحدي الذي تحمله أزمة أوكرانيا يتمثل في استعادة الولايات المتحدة إلى الواقع في حساباتها، ومراجعتها لعقود من التراجع في دور الدولة لمصلحة الشركة، وتقييم تجاربها في حروب لم تستطع أن تحقق أهدافها الضمنية أو المعلنة.

المقال السابق للكاتب

الطفل ريان في بئره.. الخطر المحدد والمعمم

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock