أفكار ومواقف

الحرب نشبت..!

علاء الدين أبو زينة

كان معظم الذين يُسألون عما إذا كانت الحرب ستنشب في أوكرانيا أم لا يجيبون: لا أحد يعرف سوى بوتين نفسه. لكنّ منطق الأمور كان يشير إلى أن تراجع بوتين عن تهديده من دون تحقيق أي من مطالبه من الغرب سيكون هزيمة له وللكرامة الوطنية الروسية.

وبدا أنه لا بد أن يكون قد درس الاحتمالات والعواقب، وقاس على السوابق وسلوك أميركا وجماعتها في مواقف مشابهة، ووضَع السيناريوهات المحتملة وكيفية التعامل معها. وإلا فإنه لم يكن ليصلح لقيادة بلد مثل روسيا.

لا أحد عاقلاً يحب الحرب، أي حرب. إنها تعني الموت والثكل والدمار وما لا يوصف من عذابات البشر. ومع، ثمة في الحرب شيء جاذب للطبيعة البشرية، خاصة لدى المراقبين من بعيد.

ثمة الإثارة والفرجة (كما في مشاهدة العنف ومصارعة البشر مع الأسود)، وربما الرغبة في حدوث شيء يخلخل ترتيب الأشياء، عسى أن تسفر الفوضى العارمة عن ترتيب يقلب الموازين ويغير هذا العالم.

بل إن صور الذاهبين إلى التجنيد في الحروب الماضية عرضتهم وهم يشعّون حماسة وبهجة ويرددون الأناشيد –وكأنهم ذاهبون إلى حفلة! والبشر لا يتعلمون من دروس التاريخ، وإلا لانتهت الحروب منذ قرون.

كيف قد تسفر الحرب عن احتمالات؟ مثلاً، تحدّث محللون وازنون في وقت سابق عن أن حرباً تندلع بين أميركا و/ أو الكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى يمكن أن تتسع وتجرّ قوى الإقليم، وقد يكون من نتائجها زوال الكيان الاستعماري في فلسطين، أو إضعافه بشدة، أو إيلام القوى الأجنبية بحيث تخرج تماماً من الإقليم وتجعله يتنفس.

وربما، أيضاً، تُستخدم في هكذا حرب أسلحة دمار شامل تترك الإقليم خاوياً على عروشه وتنهي أي مقاومة متبقية لدى مواطنيه لهيمنة الداخلين والخارجين. لا أحد يستطيع أن يتنبأ بنتائج أي حرب.

لماذا الحرب في أوكرانيا؟ يصف البعض هذه الحرب بأنها «صراع إمبرياليات»، «صراع نفوذ»، أو «صراع أيديولوجيات». ومن سوء حظ أوكرانيا أنها كانت في الفترة الأخيرة الرمز الأخير– والضحية الأوضح- لمنافسة الشرق/ الغرب على زعامة النظام الدولي والنفوذ.

يقول أنصار معسكر الغرب أن من حق الأوكران، كشعب أن يكون حُراً مثل أي شعب، وتحديد الجهة التي يريدون موالاتها. يقولون إن انضمام دول مدار النفوذ السوفياتي السابق إلى الغرب الليبرالي هو هزيمة للنظام غير الديمقراطي وغير الليبرالي الذي تمثله روسيا– من بين آخرين- وجزء من عملية تحرير شعوب العالم التي يتزعمها الغرب.

في المقابل، يتساءل كثيرون، حتى في الغرب نفسه، عما إذا كان بوتين محقاً في رفض هيمنة الغرب على بلده نفسه وجلب دبابات الناتو وصواريخه إلى عتبات بلده.

في النهاية، هي مسألة أمن قومي وكرامة وطنية. وتحت هذه الذريعة نفسها تدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها عسكرياً أو نشروا جنودهم في أماكن بعيدة– بُعد أفغانستان والعراق وجنوب شرق آسيا وإفريقيا. ويقال إن لأميركا 800 قاعدة عسكرية منتشرة في العالم– أكثر من بعثاتها الدبلوماسية بكثير.

وأين نحن من هذه الحرب؟ متفرجون سلبيون. نحن أيضاً– قبل أوكرانيا ومعها وبعدها- ضحية دائمة للتنافس بين ما يفترض أنهما «معسكر الاستبداد» و»معسكر الحرية».

وفي الحقيقة لن يجلب لنا الحرية أحد غير أنفسنا، لكننا نتعلق بأذيال الآخرين. نحن أيضاً سئمنا من الفوضى التي استقر عليها «النظام العالمي»، الذي وضعنا في مركز الاضطراب حيث لا يهدأ الغبار ولا نرى الطريق. نحب أن تقف قوى، أي قوى، نيابة عنا، لتقول للمتحكمين الوحيدين: هذا لا يعجبنا.

إلى أين تذهب الحرب في أوكرانيا؟ لا أحد يعرف. قد يكتفي بوتين بغزو محدود ليظهر أنه جاد بينما يجنب جيشه وبلده التورط في صراع طويل. وقد يذهب أبعد إلى احتلال أوكرانيا كلها ليعدم كل فرصة لها في الالتحاق بالغرب، ويجعلها عبرة للآخرين.

ربما يجد جماعة أميركا و»الناتو» أن تمرير الخطوة الروسية سيهين كرامة الغرب ويهدد فوقيته ويعني إعطاء حصة لروسيا في الحكم العالمي. ربما يتعلم أتباع أميركا أنها ستتركهم عند أول منعطف لمصيرهم وقد يريد الأميركان تغيير الصورة.

وبطبيعة الحال، ليس لنا دخل في صراع الهيبة التي سقطت من اعتباراتنا. وربما تتسع الحرب وتصبح عالمية وتقلب العالم رأساً على عقب، ونرى ما يحدث- إذا بقينا أحياء.

المقال السابق للكاتب

هل ثمة نهاية للتاريخ؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock