أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الحروب التجارية وإعادة بناء أسس التجارة الدولية

أعاد تجدد الحروب التجارية مؤخرا بين الولايات المتحدة والمراكز الاقتصادية الكبرى وعلى وجه الخصوص الصين -الاقتصاد الأسرع نموا في العالم- ملف حرية التجارة وما يرتبط بها من معايير (شروط) إلى الواجهة مرة أخرى.
ويبدو أن نظريات التجارة الحرة أصبحت على المحك الآن وقيد المراجعة، وهي التي استقرت عليها القوى الاقتصادية الكبرى في العالم منذ عدة عقود، وقادتها وحرصت على تطبيقها أهم المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والعديد من المؤسسات.
ولطالما تعرضت هذه النظريات وما يرتبط بها من معايير مثل الغاء الرسوم الجمركية (مع بعض الاستثناءات)، وحماية الملكية الفكرية وتجارة الخدمات وتنظيم المشتريات الحكومية، تعرضت خلال العقود الماضية لانتقادات كبيرة، باعتبارها غير عادلة، وأنها كرست التفوق الاقتصادي الغربي وبعض الآسيوي على اقتصادات الدول (النامية). وساهمت في اضعاف أية فرص لنمو قطاعاتها الإنتاجية بسبب ضعف قدراتها التنافسية في السوق العالمي، حيث تعالت مطالب الكثير من مفكري التنمية وقادة بعض هذه الدول لضرورة توفير بعض سبل الحماية لبعض القطاعات الإنتاجية لحماية مصالحها الاقتصادية ومصالح مواطنيها العاملين في هذه القطاعات.
وكان وما يزال هذا المسار ممكنا بحدوده الدنيا في إطار ما اطلق عليه (الاستثناءات) التي يسمح للعديد من الدول الفقيرة لإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية وتعزيز قدراتها الإنتاجية وخاصة في قطاعي الصناعة والزراعة، ولكن وعلى أرض الواقع قليلة هي الدول التي استفادت من هذه الاستثناءات، حيث تراجعت قدراتها الإنتاجية أمام المنافسة غير العادلة للسلع المنتجة في الدول المتقدمة عليها، ما أدى إلى اضعاف قدراتها التصديرية أمام اغراق أسواقها بالسلع المستوردة، الأمر الذي انعكس على تفاقم عجوزات موازين المدفوعات لديها، وبالتالي تزايد الحاجة إلى الحصول على قروض خارجية لسد هذه العجوزات.
لقد كان يتم التعامل مع نظريات حرية التجارة وما يرتبط بها من شروط باعتبارها واقعا لا يمكن تجاوزه، وباعتبارها (أيديولوجيا الاقتصاد المعاصر) خاصة بعد أن أصبحت جزء من شروط صندوق النقد الدولي لتطبيق أية برامج إعادة هيكلة لاقتصادات الدول التي ليس لديها قدرات على سداد ديونها.
كذلك تعرضت نظرية التجارة الحرة للعديد من الانتقادات في جوانب تتعلق بحماية الملكيات الفكرية، التي كرست في جانب منها احتكارات الأدوية، ورفع أسعارها بشكل أثر سلبا على قدرة الناس والحكومات على تحمل تكاليف الاستشفاء. هذا الى جانب الشروط الأخرى ذات العلاقة بمنع تقديم الدعم للقطاعات الاقتصادية الإنتاجية (الصناعة والزراعة)، والتي كبلت القدرات الإنتاجية للدول النامية واضعفت اقتصاداتها، وفرضت سياسات اقتصادية تقشفية على الخدمات العامة المقدمة لمواطنيها، ودفعت حكوماتها للانسحاب من الحياة الاقتصادية، واضعاف القطاعات العامة (الحكومية)، ما أثر سلبا وبشكل كبير على درجات تمتع مئات ملايين البشر من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
المختلف الآن أن المطالبة بإلغاء قواعد ومعايير حرية التجارة تأتي من أحد أهم مراكز الاقتصاد العالمي، من الولايات المتحدة وليس من دول العالم النامي، دفاعا عن مصالح بعض قطاعاتها الاقتصادية، ولمواجهة العجوزات المتتالية في ميزانها التجاري، لصالح القوى الاقتصادية الكبرى الأخرى مثل الصين وأوروبا وكندا وغيرها.
نأمل أن توفر الحروب التجارية التي بدأت مؤخرا بين المراكز الاقتصادية العالمية فرصا للوقوف على النتائج التي نتجت عن تطبيق التجارة “الحرة”، وكرست هيمنة الاقتصادات الكبرى والشركات العابرة للقارات على الدول الصغيرة والنامية. وان تكون فرصة للوقوف على مدى استمرارية العمل وفق اسس النظام التجاري العالمي كمكون أساسي من النظام الاقتصادي العالمي، ومدى فاعليته في تحقيق التنمية المستدامة والحد من التفاوت الاجتماعي ليس فقط داخل الدولة الواحدة، وانما بين الدول نفسها، إلى جانب قدرته على محاربة الفقر وتحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص العمل بشكل كاف ولائق وعادل في مختلف أنحاء العالم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock