السلايدر الرئيسيترجمات

الحروب التي لا يريدها أحد: لماذا أصبح الشرق الأوسط أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى (2-1)

روبرت مالي* – (فورين أفيرز) عدد تشرين الثاني (نوفمبر) 2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لا يبدو أن أحداً يريد الحرب التي تلوح الآن قريبةً في الأفق. كان دونالد ترامب قد انتقد بشدة خلال حملته الرئاسية تورط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط، ولم يغير لهجته منذ توليه منصبه. ولا مصلحة لإيران في خوض نزاع واسع النطاق تدرك أنه لا يمكنها الفوز فيه. وتبدو إسرائيل قانعة بالعمليات المعايَرة بدقة التي تنفذها في العراق ولبنان وسورية وغزة، لكنها تخشى اندلاع مواجهة أكبر يمكن أن تجعلها عرضةً لآلاف الصواريخ. والمملكة العربية السعودية مصممة على الدفع ضد إيران، وإنما من دون مواجهتها عسكرياً. ومع ذلك، فإن ظروف اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط تبدو ناضجة أكثر من أي وقت في الذاكرة الحديثة.
يمكن أن ينشب صراع في أي واحد من عدد من الأماكن لأي واحد من العديد من الأسباب. ولنتأمل هجوم 14 أيلول (سبتمبر) على منشآت النفط السعودية: من الممكن -نظرياً- أن يكون قد شنه الحوثيون؛ الجماعة اليمنية المتمردة، كجزء من حربهم مع المملكة؛ أو إيران، كرد على العقوبات الأميركية المنهكة؛ أو ميليشيا شيعية تدعمها إيران في العراق. ولو قررت واشنطن القيام بعمل عسكري ضد طهران، لكان سيؤدي بدوره إلى عمل انتقامي إيراني ضد حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، أو هجوم يشنه حزب الله على إسرائيل، أو عملية تنفذها ميليشيا شيعية ضد أفراد أميركيين في العراق. وبالمثل، يمكن أن تؤدي العمليات الإسرائيلية ضد حلفاء إيران في أي مكان في الشرق الأوسط إلى ردود فعل متسلسلة على مستوى المنطقة. وبالنظر إلى أن أي تطور في أي مكان في المنطقة يمكن أن تكون له آثار متموجة في كل مكان، فإن الاحتواء الضيق للأزمة سرعان ما يتحول إلى جهد عبثي لا طائل تحته.
عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، فقد عرف السياسي الأميركي الديمقراطي البارز، تيب أونيل، مثل هذه الحالة جيداً: كلُّ السياسة -لا سيما المحلية- هي دولية. في اليمن، تحولت حرب وضعت الحوثيين -الذين كانوا حتى وقت ليس ببعيد مجموعة متمردة عادية جداً، ضد حكومة مركزية منضَّبة في أفقر دولة في المنطقة، والتي بالكاد لفتت صراعاتها الداخلية انتباه العالم- لتصبح نقطة مركزية للخصومة الإيرانية-السعودية. كما أصبح ذلك البلد أيضاً مُسبِّباً محتملاً لانخراط عسكري أميركي أعمق. وتحول قمع النظام السوري لانتفاضة شعبية -وهو أكثر وحشية بكثير من حملات القمع السابقة، لكنه بالكاد الأول في تاريخ المنطقة، أو حتى في تاريخ سورية الحديث- إلى مواجهة دولية تمتص إليها عشرات البلدان. وأسفرت هذه المواجهة عن مقتل أكبر عدد من الروس على الإطلاق على يد الولايات المتحدة، ودفعت كلاً من روسيا وتركيا وإيران وإسرائيل إلى حافة الحرب. ولم يقتصر الصراع الداخلي في ليبيا على امتصاص مصر وقطر والسعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة فحسب، وإنما روسيا والولايات المتحدة أيضاً.

بنادق وصدوع: ثوار حوثيون في صنعاء، اليمن، 2018 – (المصدر)


ثمة تفسير مبدئي لمثل هذه المخاطر. لقد أصبح الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم استقطاباً -وفيما ينطوي على مفارقة- أكثرها تكاملاً أيضاً. كما أن هذا المزيج -إلى جانب الهياكل الضعيفة للدول، ووجود الجهات الفاعلة غير الحكومية القوية، والتحولات المتعددة التي تحدث في وقت واحد تقريباً- يجعل الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم تقلباً. وهو يعني أيضاً أنه طالما بقي موقف الولايات المتحدة الإقليمي على حاله، فإنها ستظل على بعد مجرد ضربة سيئة التوقيت أو موجهة نحو هدف مهم تشنها مسيَّرة حوثية، أو عملية إسرائيلية مؤثرة بشكل خاص ضد ميليشيا شيعية، عن التورط في اشتباكها الإقليمي المكلف التالي. وفي نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال بشكل أساسي بما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تفك ارتباطها بالمنطقة. إنه يتعلق بالطريقة التي ينبغي أن تختارها للانخراط: دبلوماسياً أم عسكرياً؛ عن طريق مفاقمة الانقسامات أم تخفيفها؛ عن طريق الاصطفاف بالكامل مع أحد الجوانب أم السعي إلى تحقيق نوع من التوازن.
تصرَّف محلياً، فكِّر إقليمياً
قصة الشرق الأوسط المعاصر هي حكاية سلسلة متعاقبة من الانقسامات التي يستقر كل واحد جديد منها على سابقاته، ويأخذ بعضها أسبقية لحظية على الأخريات، بينما لا يتم حل أي منها مطلقاً بشكل حقيقي أو كامل. واليوم، تتقاطع الانقسامات الثلاثة الأكثر أهمية -بين إسرائيل وخصومها؛ بين إيران والسعودية؛ وبين الكتل السنية المتنافسة- بطرق خطيرة منطوية دائماً على إمكانية الانفجار.
يتمثل خصوم إسرائيل الحاليين بشكل رئيسي في ما يسمى “محور المقاومة”: إيران؛ وحزب الله؛ وحماس، و-على الرغم من انشغالها بأمور أخرى في الوقت الحالي، سورية. وتتجلى الصراعات في الساحات التقليدية للضفة الغربية وغزة، وكذلك في سورية، حيث تشن إسرائيل بشكل روتيني غارات على القوات الإيرانية والجماعات المرتبطة بإيران؛ وفي الفضاء الإلكتروني؛ وفي لبنان؛ حيث تواجه إسرائيل حزب الله المدجج بالسلاح والمدعوم من إيران؛ وحتى في العراق، وبدأت إسرائيل باستهداف حلفاء إيران. ويجعل غياب معظم الدول العربية عن خط المواجهة هذا منه أقل ظهوراً -وإنما ليس أقل خطورة.
بالنسبة لهذه الدول العربية، دفعت المعركتان الأُخريان الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى الهوامش. المملكة العربية السعودية تعطي الأولوية لتنافسها مع إيران. ويستغل كلا البلدين القسمة السنية-الشيعية لتعبئة جماهيرهما، لكنهما تتحركان في الحقيقة بدفع سياسة القوة في لعبة شد حبلٍ من أجل النفوذ الإقليمي، والتي تتجلى في العراق ولبنان وسورية واليمن ودول الخليج.
وأخيراً، هناك الانقسام السُّني-السُّني؛ حيث تتنافس مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة مع قطر وتركيا. وكما كتبنا، حسين آغا وأنا، في مجلة “نيويوركر” في آذار (مارس)، فإن هذا هو الأكثر خطورة وأهمية من بين الانقسامات، حتى لو أنه يحظى بتغطية أقل، حيث السيادة على العالم السني ودور الإسلام السياسي على المحك. وسواء كان ذلك في مصر، أو ليبيا، أو سورية، أو تونس أو في أماكن بعيدة مثل السودان، سوف تحدد هذه المنافسة مستقبل المنطقة إلى حد كبير.
إلى جانب الاستقطاب الذي يحكُم المنطقة، ثمة نقص في التواصل الفعال بين الأطراف، والذي يجعل الأمور أكثر خطورة. لا توجد قناة اتصال ذات مغزى بين إيران وإسرائيل، ولا قناة رسمية بين إيران والسعودية، وهناك القليل جداً من الدبلوماسية الحقيقية التي تتجاوز المبارزة الخطابية بين الكتل السُنيَّة المتنافسة.
بينما تتقاطع خطوط الصدع هذه بطرق معقدة، تقوم التجمعات المختلفة بضم القوى مع بعضها البعض أحياناً وتتنافس في أحيان أخرى. عندما تعلق الأمر بالسعي إلى الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، كانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الجانب نفسه مع قطر وتركيا، ودعمتا المتمردين السوريين -ولو أنهم كانوا متمردين مختلفين، بطريقة عكست وجهات نظرهم المتباينة حول الدور الصحيح للإسلاميين. لكن تلك الدول اتخذت مواقف متعارضة بشأن مصر؛ حيث استثمرت الدوحة وأنقرة بكثافة في دعم الحكومة التي قادتها جماعة الإخوان المسلمين والتي كانت الرياض وأبو ظبي تحاولان المساعدة في إسقاطها (سقطت الحكومة في العام 2013، لتحل محلها سلطة عبد الفتاح السيسي). وتخاف قطر وتركيا من إيران، لكنهما تخشيان السعودية أكثر. وتقف حماس مع سورية في معارضة إسرائيل، لكنها وقفت مع المعارضة السورية والإسلاميين الآخرين ضد الأسد. وقد تتقلب هندسة الانشقاقات الداخلية في الشرق الأوسط، لكن المرء يكافح للتفكير في منطقة أخرى تتحدد دينامياتها بالكامل بمجموعة متمايزة من خطوط الصدع الشاملة والقابلة للتعريف.
كما يناضل المرء أيضاً للتفكير في منطقة تتّسم بمثل هذا التكامل، وهو المصدر الثاني لوضعها غير المستقر. وقد يصيب هذا الواقع الكثيرين بالدهشه بجمعه المتناقضات. فمن الناحية الاقتصادية، تعد هذه المنطقة من بين أقل المناطق تكاملاً في العالم؛ ومن الناحية المؤسسية، تظل جامعة الدول العربية أقل تماسكاً من الاتحاد الأوروبي، وأقل فعالية من الاتحاد الأفريقي، وأكثر اختلالاً من الناحية الوظيفية من منظمة الدول الأميركية. ولا يوجد أي كيان إقليمي تنتمي إليه الدول العربية والجهات الفاعلة الثلاث الأكثر نشاطًا من غير العرب (إيران وإسرائيل وتركيا).
ومع ذلك، يعمل الشرق الأوسط بالعديد من الطرق الأخرى كحيِّز موحَّد. فالأيديولوجيات والحركات تنتشر عبر الحدود: في أوقات سابقة، القومية العربية والناصرية؛ واليوم، الإسلام السياسي والجهادية. ولدى جماعة الإخوان المسلمين فروع نشطة في مصر والعراق والأردن والأراضي الفلسطينية وسورية وتركيا ودول الخليج وشمال إفريقيا. وتتبنى الحركات الجهادية مثل القاعدة و”الدولة الإسلامية”، أو (داعش)، أجندة عبر-وطنية ترفض الدولة القومية والحدود الوطنية جملة وتفصيلاً. ويتواجد أتباع الديانة الشيعية الإيرانية بأعداد مختلفة في بلاد الشام والخليج، وكثيراً ما ينتظمون في ميليشيات مسلحة تتطلع إلى طهران من أجل الإلهام أو الدعم. وتتمتع منافد الإعلام المدعومة من جهة أو أخرى من شقي الخلاف السني/ السني -“الجزيرة” القطرية، و”العربية” السعودية- بوصول إقليمي. وما يزال صدى القضية الفلسطينية، التي تضررت كما قد يبدو الآن، يتردد في جميع أنحاء المنطقة ويمكنه تعبئة مواطنيها بطريقة يمكن القول إنه لا يعادلها شيء في جميع أنحاء العالم. وحتى الحركات دون الوطنية، مثل القومية الكردية، التي تنتشر في أربعة بلدان، تدفع بأهداف عبر-وطنية.
وفقاً لذلك، تكتسب الصراعات المحلية أهمية إقليمية بسرعة -لتجتذب بذلك الأسلحة والمال والدعم السياسي من الخارج. قد يرى الحوثيون معركتهم على أنها تدور بشكل أساسي حول اليمن؛ وقد يكون حزب الله مركِّزاً على السلطة والسياسة في لبنان؛ وقد تكون حماس حركة تدفع بقضية فلسطينية؛ وقد تسعى المجموعات المختلفة في المعارضة السورية إلى تحقيق أهداف وطنية. ولكن، في منطقة مستقطبة ومتكاملة في آن معاً، سرعان ما تقوم قوى أكبر باحتواء هذه المحركات المحلية.
يوضح مصير الانتفاضات العربية التي بدأت في أواخر العام 2010 هذه الدينامية جيداً، مع كون تونس؛ حيث بدأ الأمر كله، الاستثناء الوحيد. وقد تمت الإطاحة بالنظام هناك بسرعة كبيرة، وبشكل غير متوقع على الإطلاق، في بلد كان أبعد على هوامش السياسة الإقليمية من أن ترد الدول الأخرى الفعل في الوقت المناسب. لكن هذه الدول سرعان ما تحملت حصصها أيضاً. وأصبح كل تمرد لاحق على الفور تقريباً شأناً إقليمياً ودولياً. في مصر، كانت حظوظ جماعة الإخوان المسلمين ومستقبل الإسلام السياسي على المحك، وهكذا، سرعان ما قفزت قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة إلى المعمعة. وانطبق الأمر نفسه على ليبيا، عندما انضمت مصر إلى المعمعة بمجرد انتصار السيسي والإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين. وكذلك الأمر بالنسبة لسورية؛ حيث سحبت الحرب الأهلية إليها كل المعارك الإقليمية الثلاثة: مواجهة إسرائيل مع “محور المقاومة”؛ والصراع الإيراني-السعودي؛ والصراع السُّني-السُّني. كما ظهر سيناريو مشابه في اليمن أيضاً.
دُول الفوضى
إلى جانب استقطاب الشرق الأوسط وتكامله، تشكل هياكل دولِه المختلة وظيفياً عامل خطر آخر. وتبدو بعض الدول أكثر شبهاً بجهات فاعلة من غير الدول: الحكومات المركزية في ليبيا وسورية واليمن تفتقر إلى السيطرة على مساحات شاسعة من أراضيها وسكانها. وعلى العكس من ذلك، تعمل عدة جهات فاعلة من غير الدول كدول افتراضية، بما فيها حماس، والحوثيون، والأكراد و”الدولة الإسلامية” قبل الإطاحة بها. وغالباً ما يتعين على هؤلاء الفاعلين من غير الدول مواجهة مفسدين منهم هُم: في غزة، تتنافس حماس مع الجماعات الجهادية التي تتصرف أحياناً بطرق تقوض حكمها أو تتعارض مع أهدافها. وحتى في الحالات حيث الأداء الوظيفي الأفضل، ليس من الواضح دائماً أين تكمن سلطة تقرير السياسة النهائية. وعلى سبيل المثال، تنخرط الميليشيات الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان في أنشطة لا تسيطر عليها الجهات السيادية الاسمية لهذه الدول، ناهيك عن القبول بها. يخلق تعايش الدول الضعيفة مع جهات فاعلة قوية من غير الدول الظروف المثالية للتدخل الخارجي. وهو طريق ذو اتجاهين -حيث تستغل الدول الأجنبية الجماعات المسلحة لتعزيز مصالحها، وتتطلع الجماعات المسلحة إلى دول أجنبية لتعزيز قضاياها الخاصة- وهو كله شأن منفتح جداً على سوء التأويل. فمن شبه المؤكد أن إيران تساعد الحوثيين والميليشيات الشيعية العراقية، ولكن، هل تسيطر عليهم؟ وماذا عن وحدات حماية الشعب، وهي حركة للمقاتلين الأكراد في سورية تابعة لحزب العمال الكردستاني في تركيا، ولكن هل تتبع قيادته؟
تجعل حقيقة عمل الجهات الفاعلة من غير الدول كوكلاء وكلاعبين مستقلين في الوقت نفسه من الصعب إثبات المساءلة والمسؤولية عن العنف -أو حتى ردعه في المقام الأول. قد تفترض إيران -خطأً- أنها لن تتحمل المسؤولية عن أي هجوم يُشن بمُسيَّرة حوثية على المملكة العربية السعودية، أو هجوم تشنه حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية على إسرائيل، أو هجوم تشنه ميليشيا شيعية عراقية على هدف أميركي. وقد تلوم المملكة العربية السعودية إيران -بطريقة مضلَّلة- عن كل هجوم يشنه الحوثيون، تماماً كما قد تلوم إيران المملكة العربية السعودية عن أي حادث عنيف يقع على أراضيها من فعل جماعات معارضة داخلية. وقد تكون الولايات المتحدة مقتنعة بأن كل ميليشيا شيعية هي وكيل إيراني يقوم بالعمل نيابة عن طهران. وقد تعتبر إسرائيل حماس مسؤولة عن كل هجوم ينطلق من غزة؛ وإيران عن كل هجوم ينطلق من سورية؛ والدولة اللبنانية عن كل هجوم يشنه حزب الله. وفي كل واحدة من هذه الحالات، قد يكون ثمن سوء إسناد المسؤولية مرتفعاً.
وليس هذا مجرد تمرين فكري: بعد الهجوم على منشآت النفط السعودية في أيلول (سبتمبر)، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم على الفور -ربما على أمل تعزيز مكانتهم- بينما أنكرت إيران، التي تسعى على الأرجح إلى تجنب التعرض لانتقام أميركي، أي تورط لها في الهجوم. ويمكن أن تكون لهوية الطرف الذي نفذ العملية ومَن هو الذي الطرَف الذي يُعاقَب -إذا ما عوقب أحد- تداعيات واسعة النطاق.
وحتى في الدول التي تبدو جيدة الهيكلية، أصبح موضع صنع القرار غير شفاف. في إيران، يبدو أن الحكومة ومؤسسة الحرس الثوري الإسلامي -فرع الجيش الذي يخضع مباشرة للزعيم الأعلى للبلاد- يسيران في بعض الأحيان في طرقهما المنفصلة. أما ما إذا كان هذا يعكس تقسيماً واعاً للعمل أم لعبة شد حبل فعلياً، فموضوع للنقاش، وكذلك مسألة من هو الذي يمسك بالخيوط بالضبط.
التهديد يتضاعف
جعلت سلسلة من التحولات العالمية والإقليمية والمحلية هذه الديناميات أكثر بُعداً عن اليقين باطراد. وتشمل التحولات العالمية حضوراً صينياً متجدداً، وروسيا منبعثة، وولايات متحدة في حالة تراجع نسبي. وهناك أيضاً توابع الانتفاضات العربية الأخيرة، لا سيما تفكيك النظام الإقليمي وتكاثر الدول الفاشلة. وتتفاقم هذه التحولات بفعل التغييرات السياسية الداخلية: صعود قيادة جديدة تريد تأكيد نفسها بطريقة استثنائية في المملكة العربية السعودية، وقيادة جديدة غير عادية في الولايات المتحدة. كل هذه التطورات تغذي الإحساس بمنطقة يبدو كل شيء فيها متاحاً للاختطاف والتي إذا لم يتم فيها اغتنام الفرص بسرعة فإنها سوف تضيع إلى الأبد.
يشعر الحلفاء الإقليميون الرئيسيون للولايات المتحدة بالقلق في الوقت نفسه إزاء القوة الباقية لذلك البلد -متشجعين بسياسات إدارة ترامب، وقلقين منها أيضاً. فقد جعل الرئيس من أولوياته إصلاح العلاقات مع مصر وإسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي كانت قد توترت جميعها في عهد سلفه. لكن تردد ترامب في استخدام القوة كان واضحاً بنفس المقدار، وكذلك استعداده لخيانة حلفاء قدامى في أجزاء أخرى من العالم.
يساعد هذا المزيج من الشعور بالتشجيع والقلق على تفسير -على سبيل المثال- ميل المملكة العربية السعودية غير المعتاد، بقيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى المخاطرة: حربها المتواصلة في اليمن، وحصارها لقطر، من بين أمور أخرى. وينظر ولي العهد السعودي إلى التحالف الحالي مع واشنطن كفرصة عابرة -لأن ترامب قد لا يفوز بإعادة انتخابه؛ ولأنه يُمكن أن يُحدِث تحولاً في السياسة يمكن أن يشهده وهو يتوصل إلى اتفاق مع إيران؛ ولأن لدى الولايات المتحدة رغبة طويلة الأمد في تخليص نفسها من التشابكات الشرق أوسطية. والشعور في إسرائيل مماثل. ويسعى شركاء الولايات المتحدة في المنطقة في الوقت نفسه إلى الاستفادة من فترة ولاية ترامب والتحوط ضد واحدة من تحولاته المفاجئة وإمكانية اقتصار ولايته على فترة واحدة، وهو توجه يجعل الموقف أكثر ميوعة وأقل قابلية للتنبؤ به.
وفي الأثناء، أعطى النفوذ الصيني والروسي المتزايد إيران بعض التشجيع، وإنما بالكاد ثقة حقيقية. ففي حال تصاعدت التوترات بين طهران وواشنطن: هل تقف موسكو إلى جانب إيران أم أنها ستقف على الهامش، على أمل الاستفادة من الاضطرابات الإقليمية؟ هل ستتجاهل الصين التهديدات الأميركية بفرض عقوبات عليها وتشتري النفط الإيراني أم أنها ستمتثل لمطالب واشنطن بعد اتفاق تجاري محتمل مع الولايات المتحدة؟ بل إن عدم اليقين بشأن النوايا الأميركية قد يكون أكثر خطورة. فإيران تستشعر نفور ترامب من الحرب، وتجد بالتالي إغواءً في توسيع الحدود إلى أقصى حد ممكن، والضغط على واشنطن بأمل الحصول على قدر من تخفيف العقوبات. ولكن، لأن طهران لا تعرف بالضبط أين يقع الخط، فإنها تخاطر بقطع شوط أبعد من اللازم ودفع الثمن. (يُتبَع)

*(مواليد 1963) هو محام أميركي وعالم سياسي ومتخصص في حل النزاعات. وهو حالياً الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية في واشنطن العاصمة. قبل توليه هذا المنصب، عمل في مجلس الأمن القومي برئاسة باراك أوباما من شباط (فبراير) 2014 وحتى كانون الثاني (يناير) 2017.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Unwanted Wars: Why the Middle East Is More Combustible Than Ever

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock