;
أفكار ومواقف

الحريات.. ترك الأصل والبحث في “الرتوش”

محمود الخطاطبة

ما يبعث على السخرية والضحك، وفي الوقت نفسه، يجعل في القلب غصة، عندما يكون أهل مريض مُصاب بالسرطان، مُنتشر في كل أنحاء جسده، ويسألون الطبيب، المُشرف على الحالة، عن أعراض جانبيه، لا تُقدم ولا تُؤخر في شفاء مريضهم، من قبيل تساقط شعره، أو نحول في الجسم!.

ما ينطبق على أهل ذلك المريض، ينطبق على ثلة من أبناء الشعب الأردني، ممن يُنادون بإيجاد أو تخصيص أماكن أو ساحات مُعنية، لإقامة تجمع ما أو تنفيذ اعتصام، الغرض منه تسليط الضوء على قضية أو المُطالبة بحق أو الضغط لمنع إقرار إجراء أو قرار أو توقيع اتفاقية أو معاهدة، أو ما شابه ذلك.

للأسف، هؤلاء الذين يُطالبون بذلك، نسوا أو تناسوا بأن الحُريات باتت وكأنها من المُحرمات، أو عيب يجلب لصاحبه العار.. حُرية الرأي والتعبير، والحق في تنفيذ اعتصام سلمي أو وقفة، كُلها أصبحت مُقيدة وعلى أكثر من مجال.. وكأن لسان الحال يُوحي بأنهم يُطالبون بالفرع، ويغضون الطرف عن الأصل.

ليس هُناك من يُنكر بأنه تم إدخال تعديلات، وُصفت بـ»أساسية»، على قانون الاجتماعات العامة، والتي تم بموجبها إزالة شرط المُوافقة على تنظيم حق التجمع السلمي، واستبداله بإشعار الحاكم الإداري قبل 48 ساعة من تنفيذه أو إقامته..

لكن وبعد نحو عقد من الزمان على هذه التعديلات، لا أحد يُنكر أيضًا بأن «الحُريات»، بما تتضمنه من حق التعبير وإبداء الرأي وإقامة تجمعات وتنفيذ اعتصامات ووقفات سلمية، تعرضت لانتهاكات، فضلًا عن أن هُناك العديد من القرارات التي منعت التظاهر، ناهيك عن التضييق على مُنظمين أو مواطنين وملاحقتهم قضائيًا، لمُجرد مشاركتهم في مثل تلك الفاعليات.

حالات تقييد الحُريات أصبحت ظاهرة للعيان، وواضحة كوضوح الشمس، فلا نسمع عن إقامة فاعلية أو تنفيذ اعتصام أو وقفة، إلا بالحُدود الدنيا، وهُناك تكميم أفواه لمُجرد رأي كُتب على موقع تواصل اجتماعي، والتي زادت في الآونة الأخيرة أكثر مع أوامر قانون الدفاع، الذي أصبح لا حاجة لوجوده، وإن كانت هُناك تطورات جديدة وعصيبة، طرأت على الساحة المحلية والدولية فيما يخص جائحة فيروس كورونا المُستجد.

ليس هُناك أحد من دُعاة اغتيال الشخصية أو التعرض للبعض وأسرار بيوتهم وعائلاتهم أو النيل منهم أو اتهامهم باتهامات باطلة لا صحة فيها، فـ»حُرية الشخص تنتهي عندما تبدأ حُرية الآخرين».. إلا أن ما هو مُلاحظ بأن الحُريات أُصيبت في مقتل، في الوضع الراهن.. يأتي ذلك في وقت يبحث فيه الكثير عن «الرتوش».. يبحثون عن أماكن مُحددة للتعبير عن آرائهم، ويتناسون بأن إبداء الرأي بكل حرية بات من «الممنوعات».

نعم، هُناك دول، نظمت حق التجمع السلمي، إذ خصصت أماكن آمنة أمام مواقع حيوية، يُعبر المشاركون فيها عن آرائهم، ومنعتهم في الوقت نفسه من تجاوزها.. لكن هذه الدول عندها الحُريات مُسلمات وأولوية، لا بل في مُقدمة الأولويات، غير قابلة للجدال، أو النقاش، أو المزاج، أو الظروف، على عكس ما يحصل عندنا تمامًا.

شيء حضاري ورائع أن تكون هُناك ساحة، تُخصص لإقامة تجمع أو تنفيذ اعتصام أو وقفة، وإظهار الحُريات في بلدنا بأنها مصونة.. لكن ذلك عندما تكون الحُرية مُكتملة وغير مُجزأة، أو على حسب ومزاج الشخص المسؤول، وكأننا أمام حالة جوية، مرة ماطرة وثانية مُشمسة وثالثة غائمة ورابعة زوابع وإعصار.. مرة ثانية يجب ألا ننسى الأصول ونتمسك بالفروع.

المقال السابق للكاتب

طالبة جامعية تعيدنا لزمن جميل

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock