ترجمات

الحرية العراقية تتصدى للهيمنة الإيرانية

بلال وهاب* – (معهد واشنطن) 11/11/2019

فقد الأميركيون منذ فترة طويلة اهتمامهم بالتجربة الديمقراطية في العراق التي كانوا قد بدؤوها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً -بتخليهم عن “أجندة الحرية” التي كانت ذات مرة في صلب سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لصالح سياسة واقعية تركز على تهديدات على غرار تلك التي تشكلها إيران. وفي حين نأت واشنطن بنفسها إلى حدٍّ كبير عن السياسة الداخلية في بغداد، إلّا أن ممارسة الحريات العراقية تطرح فجأة تحدياً استراتيجياً بليغاً أمام النظام الإيراني -والتي تتعلق بطموحاته للهيمنة الإقليمية وشرعيته الداخلية على حد سواء.
خلال الشهر الماضي، هزت الاحتجاجات السياسية العراق، وهي لم تستهدف الفساد في بغداد فحسب، بل أيضاً، وعلى نحو متزايد، ما يعتبره العراقيون جهود إيران العنيفة لقمع معارضتهم.
إن المأزق الذي تواجهه القيادة الإيرانية ناجم عن أفعالها الخاصة. فحين خرج العراقيون إلى الشوارع في أول الأمر في أوائل تشرن الأول (أكتوبر)، كانت شكواهم تدور إلى حد كبير حول مشاكلهم الداخلية، المتأصلة في فشل الحكومات العراقية المنتخبة المتعاقبة في تقديم الخدمات الأساسية والحوكمة المتجاوبة للمواطنين. والآن مع انحسار تهديد تنظيم “داعش” بصورة خاصة، انفجر الغضب الشعبي على الفساد ومحاباة الأقارب والمحسوبية في بغداد.
وفي هذا السياق، فإن الجيل الأصغر سناً من الشباب المتصلين بالإنترنت، يَعتبر أن الفشل في ترجمة ثروات العراق الهائلة إلى ازدهار عام أمر لا يمكن تفسيره ولا يمكن تبريره في آن واحد. كيف يمكن أن يكون ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة “أوبك” غير قادر على توفير كهرباء موثوقة؟ أو أن “أرض النهرين” ليس لديها مياه شرب كافية؟
ردّاً على هذه المطالب الشعبية بالإصلاح، ضغطت الحكومة الإيرانية على نظيرتها العراقية للرد بقسوة. ووصف المرشد الأعلى علي خامنئي الاحتجاجات العراقية بأنها “أعمال شغب” يجب “معالجتها”. وفي 2 تشرين الأول(أكتوبر)، ترأس قائد فيلق القدس الإيراني اللواء قاسم سليماني، اجتماعاً بدلاً من رئيس الوزراء العراقي، والذي ضغط فيه اللواء سليماني من أجل القيام بحملة قمع ضد المحتجين. وهكذا، فتحت الميليشيات المدعومة من إيران النيران على المتظاهرين بشكل متكرر، مما أسفر عن مقتل 250 شخصاً وجرح الآلاف. وفي تحد لمطالب الجماهير، منع اللواء سليماني رئيس الوزراء العراقي من الاستقالة.
ربما كان من غير المفاجئ أن يرد القادة الإيرانيون بشراسة على الاحتجاجات العراقية -ليس فقط لأن طهران تحمي منفذها ونفوذها الاستثنائيين في الداخل العراقي. وبقدر ما اعتَبَر فلاديمير بوتين الانتفاضة الديمقراطية في أوكرانيا في العام 2014 بمثابة تهديد لحكمه الاستبدادي في موسكو، تخشى طهران من أن الإيرانيين قد يستلهمون الاحتجاجات الجماهيرية في البلد المجاور –التي يقوم بها سكان من أغلبية شيعية- إذا نجحت هذه الاحتجاجات في إحداث تغيير.
أصر القادة الإيرانيون، مثلهم مثل السيد بوتين -الذي لم يكن في وسعه تصور أن الانتفاضة في أوكرانيا كانت ظاهرة محلية أثارها الغضب من الفساد وليس مؤامرة أجنبية- على أن المظاهرات في العراق هي مؤامرة أعدّتها إسرائيل والولايات المتحدة. وزاد اتهامهم هذا من تنفير العراقيين العاديين وغضبهم.
على مدار الشهر الماضي، تسببت أعمال طهران وخطاباتها -عن غير قصد- في ظهور نزعة قومية عميقة بين العراقيين. فقد أدرك أولئك المحتجون الذين غالبيتهم من الشيعة أن إيران تستغل انتماءهم إلى الطائفة نفسها لكي تستخدم الأرض العراقية كمعركة لحروبها ومكبّاً لمنتجاتها الإيرانية الأقل ثمناً على حساب الاقتصاد المحلي العراقي. ولا عجب أن أحد الشعارات الأكثر شعبية اليوم في شوارع بغداد هو “عراق حرة حرة؛ إيران بره بره”.
في حين ما يزال العديد من القادة العراقيين يتعرضون للترهيب من قبل السلطة الإيرانية، يُظهر شباب العراق اليوم أنهم لا يرضخون مثل قادتهم لهذا الترهيب. فقد قام المتظاهرون بنهب القنصلية الإيرانية في كربلاء وحرق صور السيد خامنئي. وبدورها، أمرت السلطات الإيرانية مواطنيها بعدم السفر إلى العراق.
ويمتد هذا الاستياء إلى النجف، مقر السلطة الدينية الشيعية. وقد أشار آية الله العظمى علي السيستاني، الذي وقف إلى جانب المتظاهرين بشكل متزايد، إلى معارضته للتدخل الإيراني في العراق. وهو يخشى أن يؤدّي خلط أمور الدولة والمسجد بإلحاق الضرر بالأخير، كما حصل في إيران. وقد أثارت جرأة إيران المشينة مخاوف أيضاً في صفوف رجال الدين في النجف من فقدانهم سلطتهم لصالح منافسيهم في مدينة قم الإيرانية.
وإذ يتمسك المتظاهرون بهويتهم الشيعية، فإنهم يجدون في القومية العراقية دواءً شافياً من الانقسامات الطائفية التي بالإضافة إلى كونها مدمرة للعراق، فإنها لطالما سمحت لإيران ووكلائها بامتلاك نفوذٍ هائل ومفرط في بلادهم.
في هذه المرحلة، يقع على عاتق الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الاضطلاع بدور جوهري -هو دعم المطالب المشروعة للشعب العراقي مع تشجيع بغداد على تبني تغييرات أساسية. ومع ازدياد الضغط الإيراني على الزعماء العراقيين، من الضروري أن يعرف أولئك الذي يريدون تخفيف الأزمة من خلال الإصلاحات أن واشنطن تدعمهم. والبديل عن ذلك هو تزايد خطر حدوث انقلاب مدعوم من إيران ضد الديمقراطية العراقية. وبغض النظر عن رأي الناس في الحرب العراقية، لا يخفى أن أميركا أراقت الكثير من الدماء وبذلت الكثير من المشقة في العراق إلى درجة تمنعها من ترك إيران تستحوذ على العراق.
والأهم من ذلك، هو أن هذه الاحتجاجات تؤكد أن القيم الأميركية ما تزال مصدر ميزة تنافسية طويلة الأجل، وليست مصدر ضعف، في الشرق الأوسط. وقد تُثبت الحرية العراقية أنها ما تزال رهاناً استراتيجياً حكيماً للولايات المتحدة.

*زميل “ناثان وأستير ك. واغنر” في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
*نشر هذا المقال في صحيفة “وول ستريت جورنال” تحت عنوان: Iraqi Freedom Confronts Iranian Domination

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock