أفكار ومواقف

الحرية الفردية أولا؟!

انقلب معظم السياسيين الأردنيين “العُتقيّة” من اتجاهات قومية أو يسارية، إلى رجال سُلطة، وكانوا أكثر رجال السُلطة شدّة على الأحزاب والحياة الحزبية. أمّا الإخوان المسلمون، فقد ساهموا أيضاً في دفع قيادات مهمة إلى المسرح السياسي الأردني، وأعتقد أنهم ظلّوا الأكثر ارتباطاً بمرجعيتهم الفكرية، وإن تركوا شكلياً صفوف “الإخوان”.
الأردن ليس استثناءً في هذا المجال عن الدول العربية؛ وقد مرّت على الوطن العربي موجات فكرية مختلفة. فإن كانت الخمسينيات مرحلة الفكر اليساري عموماً والقومي خصوصاً، فإن السبعينيات وما بعدها رفعت شعار “الإسلام هو الحل”. وقد بشّرنا المناضلون العرب أنّ القومية هي الحل، ولاحقاً “صراع الطبقات”، ومن ثم “الإسلام هو الحل”، وعرجوا على رفع لواء الدولة القُطرية باعتبارها ذلك المقدس. ونشهد اليوم انهيار كل تلك الوعود والأصنام، بما فيها الدولة البوليسية القُطرية.
ويقوم السؤال الآن: لماذا تحطّمت على صخرة التخلف العربي عموماً، كل أيديولوجيات الفكر؟ لماذا فشل حلم الدولة القومية والتكامل العربي؟ لماذا فشلنا في خلق حركة عمّالية فاعلة؟ لماذا نكصت قيادات قومية ويسارية نحو فكر إقليمي ضيّق ذهنياً وجغرافياً؟ لماذا تحول “الربيع العربي” إلى وَبال عربي على معظم الدول العربية، حتى صارت المقارنة بين دولة وأخرى هي بحدود معيار حفظ النفس والحدود، بعيداً عن مدى تقدم الدولة وإنتاجيتها، وكأن المنافسة صارت في حد البقاء وليس الحضارة؟!
ظنّي أن غياب الفرد وحرياته هو السبب؛ فالفرد عندنا متعلق بهيكل آخر، متعلق بالدولة كأب، أو متعلق بالقبيلة كسُلّم لتسلق أُعطيات الدولة الريعية، أو هو مستلب لحزب أو تيار عفا عليه الزمن والفكر والعمل.
ومعلومُك، مثل هذا الفرد منزوع الحرية الفردية؛ ليس لديه ما يدافع عنه! ليس لديه دافعية ذاتية للتضحية، وإن نضاله يكون بتأثير حسابات أساسها الربح أو الخسارة، وليس لها علاقة بقيم أساسية في حياته. بل ليس لديه الجرأة ليعيش القيم التي يؤمن بها حتى على الصعيد الاجتماعي، فتراه صاحب أقنعة يضمر في حياته الخاصة وبين الخُلَّص من أصحابه غير ما يعلن. هو “سي السيّد” أمام الحجة والدته، وأمام الرفاق يكون “جيفارا”، وفي الجاهة تحسبه “أبو الأعلى المودودي”، وفي المقاهي “هاني شاكر”، وفي السهرة “بتحدّاك تصدق إنه نفس الشخص”!
إن من لا يملك حرياته الفردية؛ لا يملك الدافعية للتضحية والفداء، وبهذا فإنه “بِعقل” ويتنقل بين محطات التعاطي الأيديولوجي من دون أن يتماهى مع أيّ منها، فكيف يدافع عن الحرية من يفتقدها شخصياً؟ والقاعدة تقول “فاقد الشيء لا يعطيه”.
الحرية الفردية ليست أيديولوجيا، وليست حزباً، كما أنها قطعياً ليست أعطية أو منحة، ولكنها حق طبيعي وضرورة منطقية للمواطنة ولمواطن ملتزم بالدفاع عن حقوقه وحرياته؛ مواطن عامل، منتج، لا يرضى أن يكون عبئا على أحد، خوفاً من أن يُسلب حريته الفردية أو يهددها ذلك “الأحد” مواطن له مصلحة خاصة في الحفاظ على حريات الآخرين وتقبل إختلافهم، لأنه يخشى إن لم يفعل ذلك بأن يعتدي الآخرون على حريته وقيمه؛ مواطن يعرف أن سبب وجود الدولة أصلاً هو الحفاظ على حرياته الفردية وتهيئة المجال القانوني والواقعي ليمارس حرياته ويعمل كفرد منتج قادر على العطاء. لهذا، فهو لا يقدّس الدولة؛ بل يعتبرها أجيرة للحفاظ على الأمن والقانون وتأمين فرص متكافئة ومحاربة الاحتكار ومخالفة القانون.
الحرية الفردية أولاً وأخيراً وفيما بينهما، ومن دونها سنظل نتنقل بين “دكاكين الفكر”؛ نشتري الوهم، وننساق وراء مشاريع أيديولوجية لا تخدم سوى تكريس فرد منزوع الحرية، متناقض، انتهازي، لا يقوى على الدفاع عن وطن ولا بنائِه؛ فرد يخادع نفسه ومجتمعه ودولته. وإن سألته، لا يُضيره مخادعاً أن يقول: “الحرية أولاً جنابك!!”.

‫4 تعليقات

  1. توصيف حر
    ابدعت بتقريب المشهد حد الفجر , ولكن بيئه الدوله للحفاظ على الأمن والقانون وتأمين فرص متكافئة ومحاربة الاحتكار ومخالفة القانون غير موجوده , بل يتم القفز عنها يوميا بيد الاحد ذلك المرجو رضاه , واري بحمد الله اني اشكرك لانك تشد عضدي كفرد وانسان حر " ومؤسس لمبادرة حاره حيث اراني كما وصفتني اعيش ما اؤمن به ولكني اعاني واحتسب, وظنّك بمحله أن غياب الفرد وحرياته هو السبب؛ لانه تم تدريبه علي التعلق بهيكل آخر، ف فالدولة أب، والقبيلة سُلّم لتسلق أُعطيات الدولة الريعية -الاب المعطي المانح بلا رقيب ! ، وهو مستلب لحزب أو تيار عفا عليه الزمن والفكر والعمل لان الريعيه هي من تصصم شطل الحزب المطلوب وتدعمه وهو فهلوي .ومعلومُك، مثل هذا الفرد منزوع الحرية الفردية منتشر كالهواء ؛ ليس لديه ما يدافع عنه! لانه لو حالو سيقمع ويهمش ويفصل من وظيفته لتهمه التفوق والابدع و ليس لديه دافعية ذاتية للتضحية لان الريعيه ربته منذ الولاده علي الاخذ فقط بقدوه حيه سيئه فضلت القرش علي العلم والاخلاق ، وإن نضاله يكون بتأثير حسابات أساسها الربح أو الخسارة لاننا بعصر الماده والاستهلاك والاسمنت وهي اساس التصنيف وليس الروح كمباردة حاره اللتي نعمل لها ، وليس لها علاقة بقيم أساسية في حياته مره اخري لان القيمه الوحيده هي ارضاء الاحد وكسب مزيد من المال لاستهلاكه بالصعود بلا روح لانه بات يكرهها لانها تذكره بعجزه وقبحه و ليس لديه الجرأة ليعيش القيم التي يؤمن بها علي العكس هو افضل من يمثل قيم الاسمنت والقرش والاسافيين …مؤسس ومدير @مبادرة_حاره

  2. الحرية الفردية
    نقول أن الحرية الفردية مهمة ولكن الأهم منها الحرية الفردية المسئولة التي لا تعتدي على حقوق الأخرين وأن تكون هذه الحرية في حدود الأعراف والقوانين والأخلاق المتعارف عليها

  3. كلام دقيق
    احسنت و أبدعت بالتوصيف و التشخيص لسبب فشل الإيديولوجيات في العالم العربي و قدرتها على أحداث الفرق
    في العالم العربي يتم نزع الحريه من الوليد من اليوم الأول لوالدته ولا استثناء على ذلك في أي دوله عربية

  4. للحرية أنواع
    العميق في المقال أن ترى و تسمع ثم تقرأ أسئلة ميتافيزيقية طرحت بعد فهم مصادر وحدود المعرفة الإنسانية والعقلية لها .
    أما الأعمق فيه ..أن كاتبه استخدام العقل و التجربة على طريقة (إيمانويل كانت) ليقودك إلى المعرفه بعيداً عن نظام الشك الديكارتي..
    في المقابل نرى أن عنوان المقال هو سؤال يفتح النار على الحرية الأم أولأ ..ويقسمها إلى أجزاء و أرقام وطبقات تأتي تباعاً …
    نعرف أن للحرية أنواع .. ولكنها ليست في طبقات ..
    فأى أيديولوجيات الفكر هذه التي تنزع الحريه عن الحريه ؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock