تحليل إخباري

الحزب بأفكاره وليس بعدد أعضائه

مازن كمال الحمود

يستمر الحديث في مجتمعنا عن تردد المواطنين الانتساب للأحزاب السياسية بالرغم من صدور قانوني الأحزاب والانتخابات الجديدين اللذين جاءا لتحفيز المشاركة السياسية من خلال الأحزاب لتمكين بيئة خصبة مُمَكنة لحكومات حزبية.
أستطيع القول بأنني كنت شاهدا على الرومانسية السياسية المطلقة مرتين. فالمشاهدة الأولى حصلت في بداية ما أطلق عليه باسم بالربيع العربي أثناء عملي في بريطانيا كسفير للأردن. إذ كنت أرى بريق الدمعة في أعين بعض السياسيين ورجال الصحافة البريطانيين وهم يتحدثون عن موج التغيير الحاصل في الوطن العربي، وكأنهم يحاكون اللوحة الشهيرة التي تتحدث عن الثورة الفرنسية “الحرية تقود الشعب” للرسام “يوجين دو لاكروا”. أما المشاهدة الثانية، فكانت عند حديث بعض الذين شاركوا في أعمال اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية ممن استضافتهم بعض البرامج التلفزيونية المتنوعة بعد انتهاء أعمال اللجنة. فهؤلاء أعطوا الانطباع – كما رفعوا السقف- أن الأردنيين والأردنيات سيصطفون في طوابير ليس لها نهاية لتسجيل عضويتهم في الأحزاب السياسية بعد صدور القوانين المعنية. الواقع هو أبعد من ذلك بكثير.
في حديث مع أمين عام لأحد الأحزاب السياسية، ومشارك في أعمال اللجنة، ذكر أن 90 % من البريطانيين هم أعضاء في الأحزاب السياسية. فالواقع هو أن في تلك الدولة، التي تعتبر أقدم ديمقراطية ليبرالية في التاريخ الحديث، لا تتجاوز نسبة عضوية الأحزاب فيها أكثر من 1 %. وفي السويد 6 %، وفي الدنمارك 3 %. فعضوية الحزب المحافظ الحاكم في بريطانيا اليوم لا يتجاوز مائتي ألف شخص. وفي الولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثال، ليس للحزب أعضاء، بل مواطنون يسجلون ميولهم الحزبي إذا أرادوا الإفصاح عنه. فنجاح الحزب أو عدمه يقاس عند صناديق الاقتراع بنوعية برامجه، وقدرته على تغيير حياة نحو الأفضل، وعلى تحمل المسؤولية، وليس في عدد الأعضاء. وقد تعود الأسباب الى ظروف مختلفة لكل بلد. فعدم الحماس للانضمام الى الأحزاب السياسية هو نمط عالمي وليس فقط سمة أردنية، ويجب عدم استخدام تردد الأردنيين عن الانخراط في العمل الحزبي كفشل للتجربة. فالغالبية العظمى للمواطنين في جميع الدول اهتمامهم الأول هو تأمين المتطلبات اليومية للحياة، وليس السياسة.
لقد ساهمت قوانين الإصلاح الأخيرة في التحفيز للانضمام للأحزاب، إذ منحت المواطن درجة من الأمان والاطمئنان. ولكن ما يثير اهتمام الشخص للانضمام الى أي حزبٍ هو إدراكه بأن وزنه السياسي في تشكيل المستقبل يقع أكثر داخل مجموعة سياسية محددة العدد عِوض البقاء خارجها. فمن داخل الحزب يستطيع العضو الانتخاب أكثر من مرة. فيختار قيادات الحزب والذين قد يشكل أحدهم حكومة حزبية مستقبلا، كما يمكنه الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة، علاوة عن دوره في التأثير على توجهات الحزب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبيانه الانتخابي. ولكي يحافظ على الأهمية النسبية للعضو الواحد، قد يجد الحزب نفسه مضطرا لتحديد عدد الأعضاء المنتسبين لكيلا يتم تمييع الوزن السياسي للعضو. فوزن العضو الواحد ما بين مائة ألف أكثر بكثير مما يكون بين مائتي ألف، على سبيل المثال. فقد يفقد الحزب أعضاء إذا شعروا أن تأثيرهم النسبي قد تقلص. ولهذا، فإقناع المواطن بالانخراط في الحياة الحزبية يأتي من باب وزنه السياسي النسبي ومدى تأثيره على السياسات العامة، وليس من خلال تسويق القوانين السياسية كما نسمع ونشاهد في الإعلام.
كما أن الحياة الحزبية في الأردن تواجه تحديا آخر كبيرا وغير مقرون مع دول أخرى. فالمواطن المثقف مدرك بأن حضوره بحزب ما سيجعل منه صانعا للقيادات السياسية. ولذلك، فإن قناعته بنزاهة قيادات الحزب وبُعدها عن المحسوبية مسألة مركزية لقراره بالمشاركة. فمن أولوياته الانضمام لحزب ما هو أساسا للتأثير لتغيير الأنماط السائدة. ويجد الأردنيون أنفسهم اليوم منتمين الى أكبر حزب أردني، وهو الذي ورثوه عن أجدادهم. فبالرغم من كل التحديات التي تواجه البلاد، إلا أن المواطن الأردني لم يصل الى درجة الجاهزية بأن يتقاسم المُلك مع ارثهم السياسي الذي يعتزون ويثقون به أكثر من غيره.
وقد تجسد هذا الروح عندما قام مجلس الأمة بغرفتيه بتعديل عدد من مواد الدستور، نقلوا من خلالها مسؤوليات وصلاحيات غاية في الحساسية من الحكومة الى جلالة الملك. إذ لم يقتنعوا بإبقاء هذه الصلاحيات من ضمن صلاحيات الحكومة باعتبار أن الحكومات القادمة ستكون حكومات برلمانية، وهي تجربة غير مجربة في عصرهم الحديث، وقد أصاب البرلمان بذلك. فالشعب الأردني مشهود له بثقافته، ولا يفوته تجارب دول كثيرة في الحياة الحزبية وما يحصل حين تصل قياداتها الى السلطة.
التحديات التي تواجه إدارة الدولة اليوم تختلف عن سابقاتها. فإدارة دولة عدد سكانها أربعة ملايين نسمة تختلف عن إدارتها عندما يكون عدد سكانها أكثر بثلاثة أضعاف عن السابق، وكل ما يأتي مع ذلك من تأمين متطلبات الحياة والأمن وغيرها من المسؤوليات التي تقع على عاتق القيادة العليا. وكل ذلك في عالم متغير وخطير. فتقاسم المسؤوليات من خلال تفعيل حياة سياسية خصبة من شأنه أن يفرز قيادات جديدة لم يسبق لها التمكن من الظهور في الظروف المعتادة، ولكنها مسألة ستحتاج الى صبر وتجاوز عقبات فكرية كثيرة. فالاعتقاد السائد بأن الناس سوف تتهافت الى مقرات الأحزاب للانضمام إليها يعوزه الدقة في التقدير، ولن يحدث إلا إذا كان الهدف هو تحقيق العدد على حساب الجودة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock