فكر وأديان

الحسنات والسيئات

د. هاشم غرايبة

تتباين المشارب والميول بين الشعوب، فتجد أهل جنوب شرق آسيا يأكلون الكلاب والأفاعي، وتتناول شعوب الكاريبي الديدان والحشرات فيما تعاف ذلك شعوب أخرى، وبينما يتلذذ الأوروبيون بأكل الضفادع والحلزون والخنزير، تجد شعوب الشرق الأوسط تتقزز من ذلك.
وبما أنه لا يمكن أن تجد اتفاقا بين الجميع على ما هو الحسن وما هو السيئ، وعليه فلا بد من مرجعية سديدة، ومن هو الأعلم بما ينفع الناس ويضرهم أكثر من خالقهم؟، لذلك كان الحسن هو ما حسنه الشرع والقبيح هو ما قبحه.
إذن فالقياس الدقيق هو بميزان الشرع، ومنه نستقي المعرفة الصحيحة الخالية من التحيز والإنحراف.
لقد قسم الشرع أفعال البشر وأقوالهم الى بابين: الصالحات وهي كل ما فيه خير ونفع، والسيئات وهي كل شر أدى الى ضرر.
أولا باب الصالحات:
لكل باب مفتاح ومفتاح الصلاح الإيمان بالله، لذلك فأي فعل لا ينبني على الإيمان بالله ليس صالحا، حتى لو كان فيه نفع ظاهري، لأن محصلته النهائية ضارة.
لذلك قرن الله الإيمان به بعمل الصالحات في ما يقرب من ستين موضعا في القرآن الكريم: “آمنوا وعملوا الصالحات”، للدلالة على أن الإيمان ليس مجرد عقيدة وجدانية، بل عمل بمقتضاها، وهذه الأعمال ليست في أداء العبادات، فتلك فرائض واجبة من لوازم الإيمان، أما الصالحات فهي أفعال خير نافعة لفاعلها ولغيره، وأهمها:
1 – برّ الوالدين: لأنه يعني اعترافا بفضلهما في التربية والرعاية، وذلك تكملة للإعتراف بفضل الله في الإيجاد والرزق والنعم.
2 – النوافل من الصلاة والصيام: وبها تقوى الصلة والرابطة بين العبد وربّه فيدوم صلاحه.
3 – الدوام على الطاعات: وفي ذلك تهذّيب النفس وتقرب من الله.
4 – طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه: وفيه يكون تصديق القلب للسان والجوارح.
5 – صلة الأرحام: فهي تقوي أواصر المحبة والترابط المجتمعي والتكافل والتراحم.
6 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هما فعل المصلحين وبهما انضباط الصلاح ودوامه.
7 – الاستغفار وذكر الله سبحانه وتعالى: فيهما تذكير بتقوى الله وتنبيه عند الغفلة عن ذلك.
8 – التعلّق بالمساجد: فهي بيوت الله يتساوى فيها البشر ويتقاربون، ويتعارف أهل الحي وعلى الخير يتعاونون.
9 – كلام الحق عند سلطانٍ جائر: تعزيز لصفة المؤمن القوي بعدم السكوت عن الظلم.
10 – صدق الحديث: يمنع التجني والأذى ويعزز الثقة بين الناس.
11 – إطعام الطعام وإفشاء السلام بين الناس: تشيع الودّ والبهجة في النفوس، فتتآلف القلوب وتزول الإحن والخصومات.
12 – إصلاح ذات البين: من أحبّ الأعمال الى الله لأنها تعيد إصلاح ما فسد من علاقات ودية بين الناس.
13 – التحلّي بالأخلاق الحميدة: أي الإتصاف بالفضائل كالصدق والأمانة ووفاء العهد وغيرها، وجعلها طبعا غالبا على سلوك الفرد.
ثانيا باب السيئات:
يبدع المتشددون في هذا الباب، فيخلطون في الأهمية بين الكبائر من الذنوب وصغائرها، بحسب أهوائهم، لكن المرجع في ذلك للنصوص الواضحة.
الذنب هو كل فعل سيئ مخالف لأمر الله ونهيه، فهو معصية مغضبة لله، لكنها ليست سواء، وقد توافق الفقهاء على تحديد الكبائر منها، لأن الله وعد المؤمنين الذين يجتنبونها بمغفرة ما دونها: “إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا” (النساء:31)، لذلك سنقتصر في التقصي على الكبائر.
الكبائر هي تلك الذنوب التي توعّد الله مرتكبها بعذاب عظيم، وقد لخصها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: “اجتَنبوا السَّبعَ الموبِقاتِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ: وما هنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفسِ الَّتي حرَّم اللهُ إلَّا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتَّولِّي يومَ الزَّحفِ، وقذفُ المحصَناتِ المؤمناتِ الغافلاتِ” (رواه ابوهريرة: حديث صحيح).
وهكذا ليس لنا أن نزيد على ما ورد فيه نص صريح في الكتاب والسنة، لكن المتشددين من بعض السلفيين يصرون دائما على التوسع بإضافة بنود كثيرة على الكبائر السبع، كل منهم لهوى في نفسه، وقد أحصيت مما أضافوه ما يقرب السبعين، أغلبها من الذنوب الصغيرة مثل النياحة على الميت وعدم التنزه من البول والإختلاط.. الخ.
إن ما يهم المؤمن أولا هو ضمان نجاته من غضب الله، ويكون ذلك بالإيمان به قناعة وعبادة والتزاما بأوامره، وتجنب الموبقات السبع، اما السعي لنوال رضى الله ونعيمه فهو متاح لكل من آمن وعمل الصالحات، والفوز بالمنزلة المتقدمة فيه يكون بالتباري فعل الصالحات الثلاثة عشر التي أسلفنا، “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” (المطففين:26).

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock