ترجمات

الحضور الصيني المتزايد في المغرب العربي

عادل عبدالغفار؛ وآنا جاكوبس* – (معهد بروكينغز) 29/9/2019

شدّد الرئيس الصيني شي جين بينغ عند استقباله في بكين رئيسَ الوزراء المغربي سعد الدين العثماني في 5 أيلول (سبتمبر) 2018 بمناسبة الذكرى السبعين على بدء العلاقات بين الصين والمغرب، على أن بلاده “تعتبر المغرب شريكاً مهماً لتنفيذ مبادرة الحزام والطريق”، وهي التسمية التي أطلقتها الحكومة الصينية على مشروعها “طرق الحرير الجديدة”.
وبعد بضعة أشهر، في شباط (فبراير) 2019، تزيّنت مدينة شفشاون السياحية الواقعة في شمال المغرب بألف وخمسمائة مصباح أحمر للاحتفال بمهرجان الربيع الصيني، في حدث لا سابق له. وعلى إثر ذلك، لم تتوانَ الصحافة المحلية، التي انتبهت تماماً لهذا الأمر، عن التركيز على تزايد الحضور الصيني التدريجي في المغرب الأوسط، وبشكل عام في شمال أفريقيا.
ومع أنّ المشاريع الجارية ما تزال قليلة، بات عددٌ من البلدان مثل مصر والجزائر والمغرب يشكل جزءاً من استراتيجية الصين للانتشار في المنطقة التي تُعد استراتيجية نظراً إلى وجودها على التقاطع بين الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب أوروبا وحوض المتوسط. ومن بين القطاعات الرئيسية التي تعكس هذا الحضور المتزايد: التجارة وتطوير البنية التحتية وبناء الجسور وإطلاق جهات وصل بحرية جديدة والتعاون المالي والسياحة والتصنيع.
تستند بكين إلى حجتَين رئيسيتَين لتتميّز عن منافسيها الغربيين. الأولى هي السياسة الرسمية القائمة على عدم التدخّل في الشؤون الداخلية لشركائها، الذين يجدون في هذا الأمر مخرجاً جذاباً من الالتزامات التي يفرضها التعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ حيث تعد الرباط وتونس العاصمة والقاهرة أحياناً معاهدات الشراكة الموقّعة مع الاتحاد الأوروبي مقيِّدة للغاية. أما الحجّة الثانية، فتكمن في البراغماتية التي تتصف بها السياسة الصينية. ففيما يتم اتخاذ القرارات في الصين عبر تسلسل قيادة شديد الترتيب، مما يسرّع عملية اتخاذ قرارات الاستثمار، غالباً ما تأخذ الموافقة على قرارات من هذا النوع الكثير من الوقت في العواصم الغربية. بالإضافة إلى ذلك، تتميز الصين بقدرة فريدة على تقديم تمويل ويد عاملة رخيصين لتطوير البنى التحتية، وهو مجال تعجز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على المنافسة فيه. وقد حدث هذا مثلاً عند بناء آلاف المساكن في الجزائر بين 2002 و2010. فمن كانون الثاني (يناير) 2005 حتى حزيران (يونيو) 2006، أبرمت الصين مع الجزائر 29 عقداً كبيراً بقيمة إجمالية تبلغ 22.22 مليار دولار أميركي.
تعود علاقات بكين مع بلدان شمال أفريقيا، ولا سيما الجزائر ومصر، إلى أواخر فترة الاستعمار، نتيجة الدعم الأيديولوجي لحركات التحرير الوطني. وكانت الصين البلدَ غير العربي الأول الذي اعترف بالحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر (بين 1958 و1962)، وقدمت دعماً دبلوماسياً مهماً لحرب الاستقلال التي شنّتها جبهة التحرير الوطني (بين 1954 و1962). وكان جمال عبد الناصر القائد العربي والأفريقي الأول الذي اعترف في العام 1956 بجمهورية الصين الشعبية. وهكذا، قدمت الصين، من دون أن تضطلع بدور واضح مثل دور الاتحاد السوفياتي، دعماً متيناً لنظام الرئيس المصري في مواجهاته ومناوشاته الكثيرة مع الغرب.
لكن الصين حولت اهتمامها إلى هذه المنطقة مرة أخرى في بداية الألفية لأسباب اقتصادية. وتشكّل مبادرة الحزام والطريق تعبيراً عن هذا التحوّل. وبطبيعة الحال، ما تزال منطقة جنوب آسيا هي المستفيد من أغلبية المشاريع التي تضمها هذه المبادرة، غير أنّ التوسع نحو الغرب باتجاه أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا جارٍ على قدم وساق. فقد أنشأت بكين شراكة استراتيجية شاملة مع الجزائر ومع مصر في العام 2014، وشراكة استراتيجية مع المغرب في العام 2016. وتحظى مصر بأكبر قدر من التبادل التجاري؛ إذ تتخطى المبيعات الصينية إلى مصر 8 مليارات دولار أميركي سنوياً. وتستمر تدفقات رأس المال بالتزايد. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، أشار الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، وسام فتوح، إلى أن الاستثمارات بلغت 15 مليار دولار أميركي، وهي مخصصة رسمياً لتمويل المشاريع العقارية ومشاريع البنى التحتية من أجل العاصمة الإدارية الجديدة في شمال شرق القاهرة ولمصنع بتروكيميائي ومحطة محتملة لتكرير الماء وتخزينه ومحطة عاملة على الفحم لتوليد الكهرباء.
أما الجزائر، فتشكل أحد الشركاء الاقتصاديين الأقدم والأبرز لبكين التي تهتم باحتياطها الهائل من النفط والغاز. ففي العام 2013، انتزعت الصين المرتبة الأولى في التبادل التجاري من فرنسا. وفي العام 2018، وصلت صادرات الصين إليها إلى 7.85 مليار دولار أميركي، وهو رقم قياسي للتجارة الصينية في المغرب العربي. وتنشط الشركات في المقام الأول في قطاعات البناء والإسكان والطاقة. وفي الجزائر، تهتم الشركات الصينية في المقام الأول بقطاعات البناء والإسكان والطاقة. فتبرز في الجزائر مشاريع بناء مهمة، مثل دار أوبرا الجزائر وفندق شيراتون وجامع الجزائر والطريق السيار شرق-غرب. وبفعل هذه المشاريع، قدم آلاف العمال والتجار الصينيين الذين بنوا “حيّاً صينياً” في قلب حي بوسحاقي في الضاحية الشرقية لمدينة الجزائر. وقد نشبت مشاجرات عدة مرات بينهم وبين السكان المحليين، ولا سيما في صيف 2009 وصيف 2016. ويبقى هذا الحضور سبباً للتوتر المتكرر.
وفي المغرب، منذ أن زار الملك محمد السادس الصينَ في العام 2016، ازدادت الاستثمارات والتبادلات التجارية أيضاً. وأصبح ميناء طنجة المتوسط في الشمال هو الأكبر للحاويات في أفريقيا، متجاوزاً منافسَيه بورسعيد (في مصر) وميناء ديربان (في جنوب أفريقيا). وتخطّط شركات مثل شركة الاتصالات العملاقة “هواوي” لتشييد مراكز لوجستية محلية في الميناء. وبمناسبة الذكرى العاشرة لتدشين الميناء، أعلنت الرباط عن مشروع استثماري بقيمة 10 مليارات دولار أميركي يحمل اسم “مدينة محمد السادس طنجة تيك”، والذي من المفترض أن يضم مائتَي مصنع في الأعوام العشرة المقبلة، ليصبح المغرب بذلك المقر الصناعي الصيني الأكبر في القارة.
وتسعى الصين أيضاً إلى توطيد علاقاتها التجارية مع تونس وليبيا. ففي العام 2018، وقعت مذكرات تفاهم في إطار مبادرة الحزام والطريق مع هذين البلدَين. ومع تونس، بلغت المبيعات الصينية متوسطاً سنوياً قدره 1.85 مليار دولار أميركي منذ العام 2016، مما يضعها في المرتبة الثالثة بعد فرنسا وإيطاليا. وبعد اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا في العام 2011، اضطرت بكين إلى إجلاء مواطنيها والانسحاب من مشاريع واستثمارات مهمة في البلد. غير أنّ وارداتها من النفط الليبي ازدادت أكثر من الضعفين منذ العام 2017. وذكرت الحكومة الصينية مرات عدة أنها جاهزة للمشاركة في إعادة البناء متى عاد السلام إلى الأراضي الليبية.
نظراً إلى اهتمام الصين بالسيطرة على الطرق البحرية، استثمرت من خلال شركة “كوسكو” الصينية للملاحة البحرية في موانئ طنجة وشرشال (في الجزائر) وبورسعيد والإسكندرية، بالإضافة إلى ميناء بيرايوس (في اليونان)، وموانئ في إسرائيل وتركيا وإيطاليا. وتخصّصت الصين أيضاً في مدّ الكابلات البحرية، وهو عنصر مهم في استراتيجيتها لتطوير الاتصالات. فقد صمّمت شركة شبكات “هواوي” البحرية كابل “حنبعل”، الذي يربط تونس بإيطاليا، ومدته في العام 2009، بالإضافة إلى مدّها كابلاً مهماً آخر يربط ليبيا باليونان في العام 2010. وقد ولّد ذلك هواجس في أوروبا التي تخشى أن تستفيد بكين من هذا المشروع لجمع معلومات حساسة. وازدادت هذه الهواجس عندما أكد مسؤولون سريلانكيون أنّ الصين شدّدت على مكوّن جمع المعلومات الاستخباراتية الذي يرصد كامل حركة الملاحة عبر ميناء هامبانتوتا الذي سيطرت عليه بالكامل في العام 2017، مقابل إلغائها لدين قدره 1.2 مليار دولار.
وتسعى الصين أيضاً إلى زيادة نفوذها في المنطقة من خلال انخراط ثقافي أكبر. ففي إطار مذكرات التفاهم الموقعة بين ملك المغرب والرئيس شي في العام 2016، تم تدشين مركز ثقافي صيني في الرباط في كانون الأول (ديسمبر) 2018. وتضم مصر معهدي كونفوشيوس في جامعة القاهرة وجامعة قناة السويس، بالإضافة إلى أنّها تضمّ مركزاً ثقافياً صينياً في العاصمة. وفي تونس، افتُتح معهد كونفوشيوس الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018. وخلال قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي في أسلول (سبتمبر) 2018، قررت الحكومة الصينية أيضاً زيادة عدد المنح للطلاب الأفريقيين، بمن فيهم الطلاب في شمال القارة، لكي يتمكنوا من متابعة دراساتهم العليا في الصين، فوعدت بتقديم 50 ألف منحة و50 ألف مساعدة أخرى للتعليم. وبالنسبة للطلاب الأفارقة، باتت تشكل الصين الوجهةَ الثانية بعد فرنسا، حيث ارتفع عددهم من 2.000 في العام 2003 إلى قرابة 50 ألفاً في العام 2015، بزيادة قدرها 25 ضعفاً.
ولكي ترسخ بكين نفوذها، أسست منظمات إقليمية مثل منتدى التعاون الصيني الأفريقي ومنتدى التعاون بين الصين والدول العربية، على الرغم من أنّها تتعامل حالياً مع كل بلد شمال أفريقي بشكل أساسي ضمن إطار ثنائي. ويعكس هذا الانخراط الدبلوماسي مبدأ “نوع جديد من علاقات القوة المهمة” الذي تسعى الصين من خلاله إلى الانخراط مع بلدان أصغر متى انتظمت ضمن منتديات إقليمية معها. وليست هذه البلدان قوية بما يكفي لتتيح تعاوناً عالي المستوى ما لم تبلغ هذا المستوى من التعاون.
أما العمليات العسكرية، فقد بدأت أولاها في العام 2011، عندما ساعد جيش التحرير الشعبي الصيني على إجلاء آلاف العمال الصينيين من ليبيا قبل أن تباشر منظمة حلف شمال الأطلسي شنّ الغارات الجوية ضد نظام معمّر القذّافي. وبعد ذلك جرت مناورة عسكرية صينية روسية مشتركة في العام 2015 في المتوسط. وبشكل خاص، افتتحت بكين أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي في العام 2017، مما يضع الساحل الغربي للمتوسط ضمن نطاق قواتها البحرية والجوية. وفي كانون الثاني (يناير) 2018، توقفت سفينتان حربيتان من مجموعة الحراسة البحرية الصينية السابعة والعشرين في مدينة الجزائر للقيام “بزيارة ودية” امتدت لأربعة أيام كجزء من جولة مدتها أربعة أشهر.
في غضون عقدَين فقط، عزّزت الصين موقعها في شمال أفريقيا. ولكن، ما يزال من المبكر استخلاص نتيجة نهائية من هذا التمركز. ويجب أولاً تقييم تداعيات حضورها الزائد الذي قد يترك على المدى البعيد آثاراً سلبية على الحسابات العامة، ولا سيّما في حال كانت المشاريع المموَّلة غير ضرورية. وبالمثل، لا تنفك الاستثمارات الاستراتيجية، ولا سيّما في الموانئ، تزيد من قلق البلدان الغربية التي تدرك إمكانية استخدام هذه البنى التحتية لغايات أمنية.

*عادل عبدالغفار: زميل السياسة الخارجية، مركز بروكنغز الدوحة.
*آنا جاكوب: مساعدة بحث، مركز بروكينغز الدوحة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock