أفكار ومواقف

الحظر دواء، ولو أنّه مرّ..!

يوم الأربعاء، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا مجموعة من إجراءات الإغلاق، منها إغلاق المطاعم والبارات، ومنع حضور الجماهير في الملاعب، وإغلاق المسارح وصالات الألعاب وصالونات التجميل. وقالت ميركل في مؤتمر صحفي: «في غضون أسابيع سوف نصل إلى حدود نظامنا الصحي. من الواضح تماما أنه يجب علينا التحرك والعمل الآن لمنع حدوث أزمة صحية وطنية».
وفي نفس اليوم، أعلنت فرنسا أنها ستمنع سكانها من مغادرة منازلهم من دون تصاريح، كما ستغلق الحانات والمطاعم أبوابها حتى كانون الأول (ديسمبر)، وسيتم الحد من السفر بين مناطق البلاد. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «كما هو الحال في أجزاء أخرى من أوروبا، نواجه موجة ثانية تفوق طاقتنا، وأصبحنا نعرف أنها ستكون على الأرجح أكثر صعوبة وفتكا من الأولى».
وهناك إجراءات مشابهة أكثر أو أقل شدة في العديد من الدول الأوروبية وغيرها التي تشهد ارتفاعات كبيرة في عدد الإصابات والوفيات جراء عودة الوباء. والملفت أن دولاً مثل ألمانيا وفرنسا اللتين تمتلكان إمكانيات طبية ونظما صحية متقدمة، تشعران بالخطر وتتصرفان قبل –وليس عند- وصول أنظمتهما الصحية إلى حدودها القصوى، بينما تكابر دول ضعيفة الإمكانيات وتخاطر بالذهاب إلى آخر الشوط.
وصلت أعداد الإصابات اليومية لدينا في الأردن عتبة الأربعة آلاف يومياً، والوفيات عتبة الألف في المجموع. وعدد الداخلين إلى المستشفيات يومياً أكثر من ضعف الخارجين. وهذه أرقام كبيرة بالنسبة لعدد السكان، ناهيك عن قدرة الكوادر الطبية والنظام الصحي على التعامل معها. ومع ذلك، يصر المسؤولون على أنّ الإغلاقات الأشد غير واردة، بل وهناك اتجاهات –ودعوات- مستمرة إلى تخفيف القيود القليلة المتبقية. وهذا يسير في عكس الاتجاه العالمي.
وهو يعني أحد شيئين: إما أن لدينا إمكانيات طبية بحيث أن الأرقام الأخيرة لا تجعلنا قريبين مطلقاً –على عكس فرنسا وألمانيا- من إرهاق نظامنا الصحي؛ أو أن ضغط المصالح المختلفة يدفَع نحو «مناعة القطيع»، التي لا يمكن تحقيقها حسب كل التقديرات من دون لقاح. ويعني ترك الفيروس ينتشر مع ضعف الإمكانات وعدم التزام الناس بتدابير الوقاية كارثة محققة: انهيار النظام الصحي، وفقدان السيطرة وإصابة مئات الآلاف ووفاة الآلاف.
كما نسمع من الأطباء والمسؤولين، ومن تجارب مصابين أو معارفهم، فإن وتيرة الانتشار وزيادة الحالات ونوعية الاستجابة تكشف أن الاستعدادات ليست مثالية للتعامل مع الزيادات الكبيرة المتوقعة في أي لحظة. بل إننا نخسر أرواحاً عزيزة من الأطباء والكوادر الطبية في الجبهة الأمامية، والعشرات من مواطنينا يومياً. وبرغم التطمينات، فإن الخطر يظهر من طريقة التعامل مع المصابين والاضطرار إلى عزلهم منزلياً على مسؤوليتهم، مع المغامرة بخطر خروجهم من العزل ومخالطتهم الآخرين. كما أن إساءة تقدير مستوى تطور الحالة من دون إشراف طبي مباشر قد يجعلها تتفاقم بحيث تصل إلى المستشفى –إذا توفر سرير- وقد أصبحت متقدمة وميؤوسا منها.
من مطالعة ما يجري هنا وفي العالم، فإن الإغلاقات حتمية لكسر سلسلة العدوى ومنح الكوادر الطبية استراحة صغيرة، وكذلك منح الدول فرصة لتحسين استعداداتها والتعلم من الأخطاء السابقة. ويمكن بعد تسطيح المنحنى وتقليل الحالات اتخاذ إجراءات أكثر تنظيماً لكبح التفشيات الجديدة ومحاصرة بؤر العدوى مع إعادة تنشيط فرق التقصي الوبائي والتقاط الإصابات التي ينبغي أن تصبح قليلة وعزلها بطرق تمكن السيطرة عليها.
الدعوة إلى الفتح الكامل والعمل بشكل طبيعي في ظرف غير طبيعي تنطوي على الكثير من المغالطة والإنكار. وعندما يكون معلوماً أن فقدان السيطرة وانهيار الكوادر الطبية والمستشفيات أصبحت وشيكة، بمراقبة الأرقام والتفاعلات، فإن التأجيل والمكابرة سيتسببان بالكثير من الألم للجميع حيث لا يمكن الاستدراك. ومن المعروف أن الدول التي لم تعد إلى الإغلاق هي تلك التي استفادت من الحظر الأول لقمع الوباء، والتي يتعاون فيها الناس بشكل ملفت بحيث عادت اقتصاداتها إلى التعافي من دون موجات جديدة من التفشي. أما غيرها فتعود.
في كل مكان تقريباً، يتحدد الإغلاق بوضع النظام الصحي قبل الاقتصادي، وبمستوى الأخلاقية والمسؤولية عن أرواح الكوادر الطبية والمواطنين. وإذا أمكن إنقاذ الحياة، فإن كل شيء آخر يمكن تعويضه، على طريقتنا حين نقول لدى وقوع حادث: في المال ولا في العيال.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock