أفكار ومواقف

الحقائق المتنافسة

تفاءل كثيرون في عصر انفجار ثورة المعلومات، بنهاية زمن الولاية على حق الحصول على المعلومة، والذي ظل لزمن طويل رهين السلطة؛ سواء كانت السلطة السياسية أو سلطة أساطين الإعلام والمال الذين فرضوا على العالم وجهة نظر أحادية تمثل وجهة نظر هذه السلطات.
لكن هذا التفاؤل الذي تزامن مع الانسحاب التدريجي لوسائل الإعلام المكتوبة والمرئية لصالح الإلكترونية، ما لبث أن تبخر عندما حلت سلطات جديدة مكان المنسحبة، استخدمت أساليب أكثر ذكاء وجاذبية لفرض وجهة نظرها وتسويقها على أنها الحقيقة المطلقة.
فالناظر إلى حالنا اليوم، من خلال تصفح صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، يجد أننا أصبحنا نعيش في عوالم مختلفة اختلاف انتماءاتنا الفكرية والعقائدية والمصادر التي نستقي منها معلوماتنا، ما أدى إلى الحد من قدرتنا على الوصول إلى الحقيقة، وتمحيص الغثّ من السمين في ما نقرأ ونسمع. ولا ينحصر هذا في المواضيع السياسية، بل يتعداها إلى المواضيع الأخلاقية، وربما حتى العلمية، ما أدى إلى تعميق انقسامنا وانسداد الأفق لحل أي من مشاكلنا. فبدل أن ننطلق من حقيقة واحدة نحاول أن نجد لها الحلول الناجعة، تجدنا نبدأ من “حقائق” مختلفة لا قاسم مشتركا بينها يمكننا أن نبلغه. لذلك، أصبحنا نعيش في عوالم منفصلة رغم اشتراكنا في البقعة الجغرافية نفسها.
لكن كيف يمكن لأناس يعيشون على نفس الرقعة من العالم، أن يروا العالم مختلفا إلى هذه الدرجة؟! يحدث هذا لأن الناس غالبا ما يتجهون إلى مصادر المعلومات التي تعزز المسلمات التي يؤمنون بها، ويبتعدون عن تلك التي تتصادم مع هذه المسلمات، وهو ما يعرف بـ”التعرض الانتقائي” للمعلومات. كما أنهم يحاكمون القضايا والأحداث المختلفة منطلقين من أحكامهم المسبقة، بما يعرف بـ”الإدراك الانتقائي”. أما عند الحاجة إلى الاستئناس برأي الخبراء، فإنهم يلجأون إلى أولئك الذين يعززون قناعاتهم، حتى لو كانوا سطحيين، ويستبعدون أولئك الذين يختلفون معهم بغض النظر عن خبرتهم وموضوعيتهم.
كما أنهم يسارعون إلى اتهام أي وسيلة تبث خبرا لا يتوافق مع أهوائهم بالخيانة والعمالة. وبذلك، يكفون أنفسهم مؤونة البحث عن الحقيقة.
لقد وعى صناع الأخبار حقيقة أن الناس يستهلكون الأخبار لتعزيز قناعاتهم المسبقة، وليس من أجل المعرفة؛ فهم حتى عندما يدّعون أنهم يبحثون عن الموضوعية، فإنهم يقصدون تلك التي تعزز قناعاتهم المسبقة وتوافق أهواءهم. ومن ثم، عمد صناع الأخبار إلى إشباع هذه الرغبات من خلال الانتقائية في شكل وموضوع الخبر، متجاهلين أبجديات التعاطي الموضوعي مع الخبر، ومعولين على افتقار السواد الأعظم من الناس للقدرة على التفكير النقدي.
خلصت إحدى الدراسات إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث المختلفة تقوم بتتبع اتجاهاتنا الفكرية والسياسية، من خلال نوعية المواقع والأخبار التي نتابعها، وتلك التي نقوم بإغفالها؛ لتقوم بتزويدنا انتقائيا بكل ما يوافق هوانا، فتساهم في انكفائنا على ذواتنا، وتسد الطريق في وجه أي فرصة للإصغاء للرأي الآخر.
قد يكون من الصعب أحيانا التحقق من صحة المعلومة. لكن محاولة تتبعها ومقارنتها من خلال مصادر مختلفة ومحاكمتها عقليا، والتحقق من مصداقية المواقع التي تقف وراءها، قد تجنبنا الوقوع في الشرك الذي ينصبه لنا من يبثون هذه الأخبار.

تعليق واحد

  1. البحث عن الحقيقة
    لأقد اصاب د. منصور وكشف حالـة الفوضى الفكرية التي تعصف بالمجتمع، الكل يدعي المعرفة والكل يدعي الصواب مستشهدا بمقال او تحليل مستخرج من الشبكات الإجتماعية، وقد امتدت هذه الفوضى للدين واختلط الحلال مع الحرام.إن محاولة تتبع الحقيقة ليست بالسهولة المفترضة .ويجب أن تنشأ مع تعليم الجيل الجديد منذ الصغر كيف يميز بين الصواب الحقيقي و المزيف

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock