ترجمات

الحقيقة والعدالة في أميركا الجنوبية

باولو باراناغوا – (لوموند)

ترجمة: مدني قصري
تسعى كل من البرازيل وأورغواي إلى الكشف عن الجرائم التي ارتكبها دكتاتوريوهما. وفي يوم الخميس 27 تشرين الأول (أكتوبر)، استجاب البرلمانان في كلا البلدين، بصورة إيجابية، للمحكمة الأميركية المشتركة لحقوق الإنسان التي دانت قوانين البلدين الخاصة بالعفو العام، بوصفها عائقا أمام العدالة.
وفي برازيليا، صوتت أغلبية اليسار والمعارضة معا (باستثناء اليسار المتطرف) لصالح إنشاء “لجنة الحقيقة”، المكلفة بالتقصي حول انتهاكات حقوق الإنسان في عهد النظام العسكري (1964/1985). وستكون لهذه الهيئة صلاحية تحديد المسؤوليات، من دون الطعن في العفو العام الصادر في العام 1979، والذي أتاح عودة المنفيين، ومنَع في الوقت نفسه المتابعة القضائية ضد مسؤولي الدولة. وللتذكير، فقد كانت الدكتاتورية البرازيلية وراء مقتل أو اختفاء 400 شخص.
وفي مونتفيديو، لم يصوت سوى منتخبي اليسار الوسط على مسألة “إبطال تقادم الجرائم” ضد الإنسانية التي ارتكبتها الدكتاتورية (1973/1985) المسؤولة عن مقتل أو اختفاء 231 شخصا. وقد تذرعت المعارضة في ذلك بالاقتراع العام، ما دامت أغلبية مواطني الأوروغواي قد صادقت في الاستفتاء الذي أجري في العام 1989، ثم في العام 2009، على القانون المسمى “قانون البطلان” الذي ما فتئ يعيق محاكمة العسكريين.
وقد رخصت حكومة الأوروغواي منذ العام 2005 بمحاكمة الجنرال الدكتاتور غريغوريو ألفاريز، والرئيس الذي قام بالانقلاب خوان ماريا بردافيري، اللذين تمت إدانتهما، بالإضافة إلى نحو خمسة عشر متهما آخر. وسوف يسمح القانون الجديد بفتح 88 دعوى قضائية جديدة.
وتجدر الإشارة إلى أن التحولات الديمقراطية في أميركا الجنوبية قد اتبعت كيفيات مختلفة. فقد خضع مبدأ “واجب الحقيقة والعدالة والتعويض” لعلاقات القوى، ولحساسيات الرأي العام، ولموقف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
ففي البرازيل، جرت عملية تطبيق الديمقراطية وفقا لتقاليد المصالحة التي ميزت تاريخ البلاد منذ الاستقلال. وقد اكتفت برازيليا على مدى ربع قرن من الزمن ببرامج تعويض الضحايا. أما في تشيلي والأرجنتين، فقد مارس العسكريون أشكالا من القمع اللامشروع، والتي كانت أكثر ضراوة، وما انفكت تعذب ذاكرة الناس.
وفي بيونيس أيرس، أصدرت المحكمة يوم 26 تشرين الأول (أكتوبر)، أحكاماً بالسجن المؤبد أو بالأشغال الشاقة على خمسة عشر مسؤولا تابعين لمدرسة ميكانيكا البحرية؛ وهي المركز الرئيسي للاعتقال السري الذي أسسته الدكتاتورية الأرجنتينية. وقد دين هؤلاء لممارستهم التعذيب (1976/1983). وكانت بيونيس أيرس، بعد المحاكمة التاريخية التي جرت للطغمة العسكرية في العام 1985، قد استسلمت للضغط العسكري، وأنهت الإجراءات، وأصدرت عفوا في حق الدكتاتوريين.
إلا أن الأرجنتين أصبحت منذ إلغاء قوانين العفو العام في العام 2003، نموذجا في مجال العدالة الانتقالية: فمن بين 802 عسكري متهم، صدرت الأحكام في حق 262، علما أن معظم هذه الأحكام صدرت في العامين 2010 و2011. كما اعتمدت بيونيس أيرس أيضا سياسة الرجوع إلى الذاكرة الإرادية، وبرامج التعويض عن الضرر المعنوي، وهي السياسة التي ما انفكت تتسم مع مرور الوقت بمزيد من الشفافية.
ولم تنجُ تشيلي من ذلك. فبقدر أقل من الدعاية، حكمت العدالة التشيلية على 300 مسؤول من مسؤولي دكتاتورية أوغستو بينوشيه (1973/1990). لكن هذه المحاكمة اقتضت إيقاف الجنرال بينوشيه في لندن العام 1998، بأمر صادر من القاضي الإسباني بلتازار غارزون. وقد مات الدكتاتور قبل أن تتمكن المحاكم من القيام بعملها، لكنّ القضية “بينوشيه” ما لبثت أن لفتت الانتباه إلى مناطق الظل في مرحلة انتقال تشيلي إلى مرحلة الحقيقة والعدالة، وقد شجعت القضاة وأسر الضحايا على المثابرة في العمل إلى حين ظهور الحقيقة.
إذا كان بالإمكان وصف القضاة التشيليين بأنهم أقل قساوة من الأرجنتينيين، فذاك لأنهم يصدرون قدرا أقل من أحكام الإعدام، أو يرخصون للمحكوم عليهم بقضاء مدة العقوبة في بيوتهم. لكن هذه الأحكام إذا ما قورنت بعدد السكان، وبعدد الضحايا، فإنها لا تشكل شيئاً معيباً للتشيليين. فقد تسبب نظام الجنرال بينوشيه في مقتل أو اختفاء 3200 مواطن.
أما في بيونيس أيرس، فقد سجل الأرشيف الوطني للذاكرة -المرتبط بأمانة الدولة لحقوق الإنسان- 10061 مفقودا، أو ضحية لإعدامات جماعية. إلا أن هذا الرقم، رغم ابتعاده عن التقديرات الأولى وهي 30.000 مفقود، يظل مع ذلك رقما مُرعبا.
أما حالة البيرو فهي مختلفة؛ لأن الصراع المسلح الداخلي كان قد أفضى إلى اتخاذ إجراءات قاسية ضد المتمردين، وضد أعوان الدولة، ابتداء من الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري. ويتسم الوضع في كولومبيا بتعقيد خاص، لأنه يجري في البلاد تطبيق برامج نمطية عن مرحلة ما بعد الصراع -الحقيقة والفصل- فيما العصابات التابعة لليسار المتطرف لم تُلق السلاح، وقد انضم جزء من مسلحي اليمين المتطرف إلى الجريمة المنظمة.
هذا هو الدرس الذي يتعين على النظام الكوبي أن يتعلمه، وهو النظام الذي يحاول أن يكبح كل محاولات الاحتجاج الثائرة ضد الخطاب الأحادي، ويكمم كل محاولات انتقاد التاريخ الرسمي.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: “Vérité et justice en Amérique du Sud”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock