أفكار ومواقف

الحقيقة.. ورأي الأغلبية

يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر “لا يجوز الخلط بين الحقيقة ورأي الأغلبية”، فالحقيقة في مفهومها الأولي تمنح معنى متعارضا مع الكذب أو الإيهام أو التواطؤ أو الاتفاق. وجميع المفردات السابقة يمكن للأغلبية أن تتمثلها بمعزل عن الحقيقة.
وبصرف النظر عن أنواع الحقيقة، فإنه، ووفقا للفلسفات، تأتي مفردة “حقيقة” للتعبير عن “تأكيدات ومعتقدات وأفكار ومقترحات تتفق على أن الكذب والزيف عبارة عن خطأ وعيب”.
أما الأغلبية، فهو مصطلح يستخدم لوصف أكثرية نسبية أو مطلقة متفقة على أمور معينة. لكن اتفاقها هذا قد لا يتصل بالحقيقة بأي صلة. بل إن واحدا من أكثر الانتقادات التي يتعرض لها حكم الأغلبية اليوم، مثلا، ينصب على الديكتاتورية التي تمارسها الأغلبية بوصفها صاحبة سلطة كبيرة، وأن المعارضات لا تستطيع تعطيل مشاريعها واتفاقاتها، وبما أن الديكتاتورية عيب أيديولوجي وسلوكي، فهو بالتالي يتعارض مع الحقيقة.
قد يبدو هذا الأمر مدخلا مناسبا للحديث عن عالم اليوم الذي تتشكل فيه الآراء والتوجهات بسرعة كبيرة بسبب الثورة التكنولوجية التي تتيح الاتصال بين القارات جميعها في الوقت نفسه، والتأثير والتأثر في سياقات الأمور بما يقصيها أحيانا عن مسارات الحقيقة التي تكون ضحية “الغوغائية” في الطروحات، أو ضحية الصوت العالي الذي يبدو أنه ما يزال يمتلك قدرة كبيرة على توجيه مسار الأحداث وتشكيل القناعات.
في كثير من الأزمات والأحداث التي مرت بالبلد على مدار السنوات القليلة الماضية، ظل “الجمهور” هو وحده القادر على تشكيل طبيعة التعاطي مع تلك الأحداث. رأي الجمهور، والذي أصبح بمثابة حقيقة، وجههُ نفر قليل لاعتبارات عديدة؛ النفعية، الانتقامية، السلبية، الأيديولوجية، العدمية، ولكنهم استغلوا ثغرات واضحة في تلك الأزمات، وبنوا خطابهم على أساس هذا الضعف. نجاحهم في الأمر شكل رأيا غالبا أصبح بمثابة الحقيقة التي يتوجب أن نتعاطى معها على هذا الأساس!
في معظم الحالات السابقة، وليست في جميعها، كانت الدولة هي “الخصم” الذي يتوجب عليه أن يبني روايته الخاصة للرد على الأغلبية المتشكلة، وهي في هذا السياق كانت تشكل الأقلية العاجزة عن اختراق دفاعات الأغلبية التي حصنت نفسها ضد جميع أشكال الهزيمة.
في زمن انفلات المعلومات وتغير صفة وشكل وسيلة الإعلام، سيظل هناك خلط كبير بين الحقيقة ورأي الأغلبية، وسيظل هناك أناس قادرون على تشكيل هذه الأغلبية في مواجهة السلطة التي ستظل عاجزة عن بناء روايتها الخاصة القادرة على دحض الأوهام والأخبار المضللة. هذا الأمر هو صفة للحياة الحديثة التي ينبغي التعاطي معها، ولا يمكن لنا أن نتجاوزها إلا بواسطة مزيد من الشفافية، وتحصين المجتمعات بالوعي.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار أن أي رأي للأغلبية هو تزوير للحقيقة والوعي، بل هناك دائما مقدار من الحقيقة في تلك التوجهات.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock