أفكار ومواقف

الحقَ الحقَ أقولُ لكمْ.. سنجدهم راحلين!!

يثارُ بين الفينةِ والاخرى موضوع أهمية اضفاء حالة من الاستقرار على التشريعات التي تتعلق بالاستثمار والمستثمرين لما لذلك من دور في استقطاب الاستثمارات وخاصة من المستثمرين الأردنيين الذين هربوا من مختلف اشكال الضغوطات، فانتقلوا باستثماراتهم لدول عربية وصديقة مجاورة واستقروا فيها. وتحاول مختلف السلطات الرسمية استعادة تلك الاستثمارات بمختلف الطرق والسبل بلا فائدة. فتسأل المستثمرين عن السبب، فيقولون لك: أن السبل هي نفسها والطرق هي عينها ما تزال عوجاء. ومنهم من يقول أن تجاربهم العصيبة التي مروا بها، وعلى رأسها عدم استقرار التشريعات والتلميح والتهديد بتعديلها دائماً لصالح الخزينة، كلما فشلت سياسات التخطيط المالي في تحقيق أهدافها وخاصة تلك المتعلقة بالموازنة العامة، تجعلهم يفكرون ويعدون للمليون قبل اتخاذ قرارهم بالعودة رغم رغبتهم وتشوقهم لخدمة بلدهم وأبناء جلدتهم واهلهم.
ويقول مستثمرون آخرون أن آخر تلك التلميحات والتهديدات المباشرة وغير المباشرة ما سمعناه من عدة جهات رسمية أن التراجع في الإيرادات الضريبية وخصوصا ضريبة المبيعات ناجم عن تواضع معدلات النشاط الاقتصادي وضعف الطلب المحلي إضافة إلى ظهور انماط استهلاكية جديدة، وبأن التفاوت في النسب الضريبية سواء في المناطق التنموية والحرة وباقي مناطق المملكة هو تشوه ضريبي ويجب معالجته. ويضيف مستثمرون آخرون أن المسؤولين لا يتساءلون لماذا يحدث التباطؤ الاقتصادي ويضعف الطلب الكلي وتظهر انماط استهلاكية جديدة؟ فإذا كان المسؤولون لا يعرفون الاجابة على هذه التساؤلات فهذا أمر مقلق حقاً، أما إذا كانوا يتظاهرون بعدم معرفة الاجابة ويلقون باللوم على المستهلك والمواطن الذكي الذي يحاول جاهدا إدارة موازنة أسرته بكفاءة وعناية تامة للتخفيف عن نفسه وعن كاهله وكاهل أسرته، فهذا أمر مجحف بحق المواطن والمستهلك والمستثمر الذي يجري لاهثا أمام العصي والضربات المتلاحقة التي يتلقاها يوما بعد يوم جراء التعديلات الباهظة والمتسارعة والمتكررة على مختلف أنواع الرسوم والتعريفات والضرائب على مختلف أشكال الخدمات التي يتلقاها بنوعية متدنية أو لا يتلقاها أبداً.
من حق المواطن أن يتجنب أي نوع من الرسوم والتكاليف والضرائب اذا كان تصرفه قانونيا وذكياً، ولكن ليس من حق الحكومة ملاحقة ذلك المواطن لتجريده من آخر قطعة ملابس يحاول وضعها على نفسه لتستره من ضير حر شمس القوانين والتشريعات التي تتفنن الحكومات المتعاقبة فرضها عليه وكأنه عدوها الى يوم الدين.
أما بالنسبة للاستثمار والمستثمرين، فبالله عليكم كيف للأردن استقطاب ابنائه وبناته من رجال الأعمال إذا كانت هنالك نية لدى الحكومة لتعديل التشريعات الضريبية بحجة معالجة تقصيرها في إدارة الموازنة العامة؟! وفي الوقت الذي يعقد فيه مؤتمر لتشجيع واستقطاب المستثمرين الأردنيين من الخارج، نسمع تصريحا هنا أو لقاء أو مقابلة هناك من مسؤولين كبار في الحكومة، بأن التفاوت في النسب الضريبية سواء بين المناطق التنموية والحرة وباقي مناطق المملكة هو تشوه ضريبي ويجب معالجته؟! كيف لمستثمر أردني أن يعود للوطن بعد أن بح صوت قائدنا وصوتنا بالترويج للميزات التنافسية والنسبية والحوافز والمزايا التي توفرها تلك المناطق لهم ان قدموا للاستثمار فيها، إذا تساوت معاملة تلك المناطق مع باقي مناطق المملكة؟ عن أي عدالة وأي تشجيع للاستثمار نتحدث؟
الحق الحق أقول لكم: لن يعود أي مستثمر بعد الآن، ولن يبقى أي مستثمر في تلك المناطق وغيرها وسنجدهم راحلين بعد قليل، ليس لمنطقة تنموية محلية، بل لبلد عربي آخر أو لدولة صديقة أخرى تعرف كيف تستقطبهم وتتقن فنَ معاملتهم باحسان.
نحن لسنا ضد تعديل التشريعات التي تصب في مصلحة مختلف الأطراف وعلى رأسها المواطن، فالمستثمرون، ثم الخزينة. أما أن يكون التعديل لمصلحة الخزينة فقط فهذا أمر ليس عادلا. ولكي تكون التعديلات على التشريعات الاستثمارية عادلة ومقبولة يجب أن تتصاحب بدراسات لأثر التعديلات الجديدة سواء لجهة النمو الاقتصادي على المستوى الكلي، ام لجهة التأثير على الأفراد المواطنين والمستثمرين، أم لجهة الخزينة. وبغياب دراسات الأثر تلك، يصبح حرج التراجع عنها في المستقبل كبيرا وغير مريح ومنفر للمستثمرين، وسيصبح استقطاب المستثمرين عبثا ومتعذرا لأجيال وأجيال.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock