أفكار ومواقف

الحق في الفكر الدستوري الألماني

د.نهلا عبدالقادر المومني

رحلة الإنسان منذ الأزل كانت وستبقى رحلة البحث عن الحق والحقيقة، هي رحلة ممتدة تتعدد وسائلها وتختلف معطياتها وتتبدل أدواتها، ولكن في عمق النفس البشرية وفي نضالات الشعوب كان الحق هو الضالة التي ما فتئ الإنسان البحث عنها، لذا ارتبطت هذه الرحلة بالارتفاع في الوعي البشري وسموه، فكلما ارتفع وعي الإنسان أدرك أن الغاية المنشودة من وجوده هي احقاق الحق الذي يعدّ الوجه الآخر للجمال، الجمال الذي يجعل من حياة الانسان رحلة زمنية تستحق أن تحيا بتفاصيلها كافة.

رحلة الحق تعددت أدواتها وتشعبت، فكان القانون أحد هذه الأدوات، إن لم يكن أهمها؛ لأنه الذي يكتنز في داخله سلطةً وقوةً والزامًا، هذه السلطة التي اذا ما تواءمت والحق تمخض عنها أمان قانوني واجتماعي واستقرار في المجتمعات يخرج أفضل ما لديها، فيكون القانون أداة الشعوب التي تعبر بتناغم تام عن رغبتها في العيش المشترك بقبول وتسامح وتعدد في ظل سيادة قيم الحق والعدالة.

قلة هي المنظومات التشريعية الوطنية التي كان الحق بتفرده وقوته منعكسا في نصوصها، ليعبر عن الإيمان المطلق به، ويعدّ الدستور الألماني أحد هذه النماذج التشريعية التي نصت صراحة على أن السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ترتبط جميعًا بالقانون والحق طبقًا للدستور.

ارتباط السلطات بالقانون هو ارتباط تفرضه طبيعة النظام القانوني السائد في الدول وهو أمر لا خلاف فيه ولا ينطوي في الوقت ذاته على فكرة مستحدثة وهو أمر تنص عليه الدساتير وتؤكد عليه بصورة أو بأخرى. أما أن ينص الدستور على ارتباط السلطات جميعها بالقانون والحق معًا إنما يعكسُ رؤية تشريعية وإرادةً نحو الوصول إلى العدالة وسعيًا نحوها، ويجيب عن سؤالٍ طالما شكل جدلًا وأرقًا في الوقت ذاته للأفراد، فماذا لو كان القانون ساريًا ومطبقًا وصادرًا عن السلطة المختصة إلا أنّه مجافٍ لمنطق الحق والعدالة؟

هذا النص الدستوري الألماني كان الطريق المؤدي إلى الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية الألمانية عام 1973؛ حيث لم تتقيد المحكمة بالنص الوارد في القانون المدني آنذاك والذي لا يجيز الحكم بالتعويض النقدي عن الأضرار غير المادية (الأضرار المعنوية) إلا في حالاتٍ ضيقةٍ محددةٍ قانونًا؛ حيث حكمت المحكمة بالتعويض النقدي عن إحدى الحالات غير المدرجة في سياق القانون، وإنما جاء هذا الحكم التزاما بمبادئ الحق كما يشير إلى ذلك البروفيسور روبرت ألكسي في كتابه فلسفة القانون.

وقد صادقت المحكمة الدستورية الاتحادية على قضاء المحكمة الاتحادية معللةً ذلك بأن الحق لا يتطابق مع مجموعة القوانين المكتوبة في بعض الأحيان، ففي مقابل القوانين واللوائح الموضوعة من قبل سلطات الدولة يمكن أن ينشأ في ظل الوقائع أكثر من حقّ يكون مصدره النظام القانوني الموافق للدستور والحق باعتباره مفهوما كليًا عامًا ويؤثر في المقابل على القانون المكتوب بمجمله، وعلى القضاء تقع مهمة إيجاده ووضعه موضع التنفيذ في الأحكام.

وفي موضع آخر وفي سياق تعليل المحكمة الدستورية الاتحادية العليا الألمانية لتجريد بعض أحكام النصوص القانونية من السّريان لأنها تنافي المبادئ الجوهرية للعدالة بشكلٍ صارخٍ أشارت المحكمة إلى أن القانون والعدالة ليس تحت تصرف المشرع، وان النص القانوني الجائر الذي يخرقُ المبادئ الأساسية للحق لا يصبح قانونًا لمجرد أنه طُبق أو اتبع.

المقال السابق للكاتبة

حرية القانون

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock