فكر وأديان

الحق يُنتَزَع ولا يُهْدى

د. محمد المجالي

هكذا علمتنا سنن الحياة، بل هي سنن الله تعالى، ولعل القصص القرآني في عمومه يروي حوارات الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، وهناك الطغاة والملأ الذين لا يعجبهم أي شيء يكدّر عليهم ما هم فيه من استعباد للبشر، واحتكار لحقوق اغتصبوها من الناس، يخشى هؤلاء أي منفذ للحرية يبصره الناس، فهم يعلمون أن الحرية قيمة إنسانية عالية، بل لا قيمة للبشر بلا حرية، ولا غرابة نبصر دولا بأكملها أهلها هم أقرب للعبيد منهم للأحرار، فالحرية الممنوحة هي في الرذيلة، أما فيما يسمو بالإنسان، ويبصّره بحقوقه كلها، وأن لا فرق بين البشر إلا بالتقوى، وأن لكل إنسان الحق في المشاركة في الحياة حتى السياسية، هنا تصبح الحرية جُرما، وربما يتحدث بعض أهل الدين ليحرّمها ويلعَنها.
الحق لا يُهدى، بل يُنتَزَع، وفي النزع قوة وتحمّل وحسن تخطيط وتدبير، فمن سُلِبت أرضه لا يمكن أن ترجع بلا إعداد وقوة، ورفع الظلم الجاثم على صدور معظم الشعوب التي سمّوها بالعالم الثالث لا يمكن أن يتم إلا بالنضال والحركة، وإهدار كرامة الإنسان وسلبه قيمه وحقوقه لا يتم إلا بالنهوض والمطالبة بها، وهكذا يبين لنا القرآن ضرورة الأخذ بالأسباب، والتي منها حسن التوكل على الله تعالى، ولا يكون هذا إلا بأن يبدأ أحدُنا الحركةَ في الاتجاه الصحيح، والمقصد الصحيح، حتى يكون التوفيق والتأييد من الله تعالى.
كان من الممكن أن تكون مشاهد القصص القرآني بين الرسل وأقوامهم أقرب إلى المعجزات، بدون هذه الدعوة وتبعاتها والمعاناة المصاحبة لها، ولكن شاء الله أن يكون الدفع بين الحق والباطل، حتى نعلم سنن الحياة، حتى ما جرى بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه مع أعدائهم، كله يقص علينا حقيقة الحركة بهذا الدين، وضرورة الصبر والتحمل، وصدق الله العظيم: “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مَثَلُ الذين خلوا من قبلكم، مستّهم البأساء والضراء وزُلْزِلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب”.
كلنا يفتخر بقصص البطولات، وما تم من جهد وبذل من أجل الاستقلال واستعادة الحقوق، كلها تسطّر بفخر واعتزاز، وأشخاصها يُذكَرون بالخير فهم قدوة وقادة، وعلى النقيض من ذلك فلا يتذكر الناس الظلمةَ أو المتواطئين معهم إلا بالنقد والعيب وربما اللعن، ولكن الناس في لحظة ما يميلون إلى الراحة، وربما تستغفلهم عبارات الصبر (السلبي)، وربما تستهويهم أكذوبة مفهوم السلم حين يتم عرضه من الطرف الأقوى، بينما صاحب الحق لا يملك مجرد التعبير عن رأيه، هنا تزدحم الآراء، ويتفيقه كثيرون لا ناقةَ لهم ولا جمل، لا في سياق الأحداث، ولا في عمق المصيبة التي لا بد لها من متخصصين، وهنا تضيع الحقوق، وتكَبَّل الأيدي، وتُخرَس الألسنة، ويتحول الحق إلى باطل، والمعروف إلى منكر، والمنكر إلى معروف، والمنافق إلى مُلهَم حصيف، والمخلص الصادق إلى مجرد متخلف لا يعيش عصره، ولا يفهم واقع الحياة.
صدق الإمام الشافعي حين قال:
بقدر الكـد تكتسـب المعالــي
ومن طلب العلا سهر الليـالـي
ومن طلـب العلـى بغيـر كدٍ
أضاع العمر في طلب المحالِ
وصدق أحمد شوقي أيضا حين قال:
وما نـيل الـمـطـالب بالتمنـي
ولـكـن تــؤخـذ الـدنـيا غِلابـا
وما استعـصى على قومٍ منالٌ
إذا الإقـدام كـــان لــهـم ركابا
ها هي شعوب بأكملها لا تريد شيئا إلا حريتها، وحين يكون الإنسان حرا فهو كامل الإنسانية، وإلا فمجرد وجود جزء من عبودية للبشر فالإنسان ناقص، فالحرية جزء من إنسانية الإنسان، بها يكون تكريمه كما هو مكرم بالعقل والإرادة وحسن التقويم، فلا قيمة لهذا كله إن لم يكن حرا، وأعجب العجب حين تطبق شعوب كانت مستعمرة (مستعبدة) شيئا من العبودية على شعوب أخرى، حين ينسون ما كانوا فيه، فأميركا مثلا كانت مستعمرة، واليهود كانوا مستضعفين منبوذين، ولعلهم اليوم من أكثر الشعوب التي تمارس الاضطهاد ضد الآخرين.
أما بنو الإسلام فأمرهم عجيب فعلا، كتاب الله تعالى بين أيديهم، وهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم بين أيديهم أيضا، ويتغنون بهذين الأصلين، وهم أبعد ما يكونون عن اتباع المسلك الصحيح، والتصور الصحيح، لسنا عشاق دماء، ولا تدفعنا غرائز عدوانية، ولكن الحق لا بد له من طلاب، وهؤلاء الطلاب لا بد أن يكونوا على مستوى من الوعي أولا، ومن الإيمان واليقين بفكرتهم، وأن يعدوا العدة ويأخذوا بالأسباب، ويتجنبوا وسائل التخدير بأنواعها، فلا مكان للضعفاء عموما، وفي زماننا خصوصا.
ألقى أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة في حفلة أقيمت في القاهرة سنة 1926م لمواساة سورية، ولإغاثة منكوبي العدوان الفرنسي على دمشق عندما قصفت بالقنابل، فقال في افتتاحتها:
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَـــراعَةِ وَالقَوافي
جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
إلى أن قال:
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمــراءِ بابٌ
بِكُلِّ يَدٍ مُضَــــرَّجَةٍ يُدَقُّ
هي حقائق الأشياء التي نحاول أن نتهرب منها، نتوهم أن الحقوق تأتي رغبة، وربما يهديك إياها من سَلَبَكَها، ولا شك سيكون هناك مثبطون ومحبِطون، والعجيب أن كلامهم يأتي غالبا بلهجة الناصح الصدوق الحريص على المصلحة، والمصلحة كل المصلحة إنما هي في نهضة المجتمعات والأمم، وأن تسلك سبل الحضارة الحقيقية، إيمانا ومدنية وقيما وأسباب قوة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock