أفكار ومواقف

الحكمة الإلهية في الجامع الكبير

الدليل الوحيد الذي يشير إلى زمن وجود سيدنا موسى هو “التوراة” والتي كتبت بعده بكثير، وأشارت إلى أنه عاش في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، علما بأن وصاياه العشر ذاتها وجدت في نقوش الملك شوروباك والملك حامورابي، وهما من ملوك الحضارة السومرية العظيمة، والتي هي أقدم من زمن النبي موسى كما جاء في التوراة.
الديانات الإبراهيمية تقوم على عقيدة التوحيد، وقد شابهت في عقيدتها هذه ديانات قديمة سبقتها، أما أقدم الديانات الإبراهيمية فهي الصابئة، والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وتعتبر مصدرا تاريخيا، لجميع الديانات الابراهيمية التي جاءت بعدها، فإلى جانب أنها تقوم على عقيدة التوحيد، ففيها وضوء وصلوات يومية وأيضا فيها تعميد في الماء “الغطس” كما عند المسيحية.
تاريخ حملة الديانات السماوية تاريخ فيه الكثير من الحروب والنزاعات، تاريخ يقوم على التنافس في امتلاك الحقيقة وادعاء العقيدة القويمة. والحقيقة المرة، أن حملة الديانات الإبراهيمية يشككون في عقيدة بعضهم البعض، وفي أفهامهم تضارب وتعارض وتناقض، وبعيدا عن المجاملة، فإن ما يقولونه عن بعضهم البعض في الغرف المغلقة، وحلقات الذكر والوعظ الضيقة، وفي العلن أحيانا، يؤكد الخلاف والاختلاف العميقين بل الاحتراب العقائدي بينهم، رغم أنهم جميعا يفتخرون بإبراهيمية الجذر ووحدانية التوجه.
وأكثر من ذلك فإن كل ديانة منها انقسمت على نفسها إلى فرق وطوائف، وبين هذه الطوائف والفرق من الحروب والقتل والبطش ما تقشعر له الأبدان، فالحروب المسيحية المسيحية منذ مجمع نيقية الأول العام 325 ميلادي كانت حروبا وحشية بين المسيحيين أنفسهم وعلى أسس عقائدية، ولم يمثل ما حصل في تلك النزاعات تعاليم المسيح ودعوته للسلام، وأيضا وبعد عشرين سنة تقريبا من وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بدأت فتنة بين المسلمين أنفسم قتلوا فيها من بعضهم أكثر مما قتلوا من أعدائهم الكفار، وما تزال هذه الحروب العقائدية وقودا تاريخيا جاهزا للاشتعال في أي لحظة.
الديانات الإبراهيمية سلمت نفسها للاستغلال السياسي، وغذت في أكثر من محطة تاريخية نزعات سياسية ليس لها علاقة بالدين، ولا بالله ولا بالتوحيد، وأقرب مثال الحروب الصليبية التي حملت الصليب وأخذت دعم الكنيسة ضد اليهود والمسلمين، وهي في حقيقتها حرب استعمارية توسعية لأمراء الإقطاع الأوروبيين، وأيضا حروب السنة والشيعة التي قامت عليها دول سميت “إسلامية”، ورفعت لواء الدين رغم أنها كانت في معظمها دول أطماع شخصية وقبلية في السلطة، ونزاع بني أمية والعباسيين شاهد على ذلك، أما اليهودية فقد اعتلتها الصهيونية في أبشع مشروع استعماري يستخدم الدين الإبراهيمي لاحتلال فلسطين، والبطش بأهلها في نزاع يعتبر دون مبالغة عمق النزاع الدولي في العصر الحديث .
والسياق أعلاه يؤكد العداء القديم بين حملة الديانات الإبراهيمية، وكلما قويت شوكة أحدهم بطش بالآخر، وحاول طمس معالمه العمرانية والإنسانية وأزال رموزه الدينية، والتاريخ يشهد تحويل الكنائس إلى مساجد، وأيضا تحويل المساجد إلى كنائس، ومنها “آيا صوفيا” وتعني “الحكمة الإلهية”، وجامع قرطبة الكبير.
هذا الواقع الأليم للعلاقة بين حملة الديانات الإبراهيمية، لا يدين تعاليم الدين ولا يدين فكرة الالتزام الحر، والاعتقاد الإنساني الشخصي، في أي من هذه الديانات، فالدين هذب ويهذب ويحرص على قيم وأخلاق وتعليمات قد يجد فيها الفرد خلاصه، لكن استغلال الدين في السياسة واستخدامه في النزاعات الخارجية والبينية، يقتضي فصل الدين عن الدولة، حماية للدين وللمتدينين من استغلالهم في حروب فعلية أو عقائدية مقيتة ذات أصل سياسي.
أما ما قام به اردوغان فإنه قد يقع ضمن سيادة الدولة، ولكنه قطعا يقع ضمن الاستغلال السياسي التاريخي للدين والمتدينين، ولا يمثل الدين ولا سلوك المسلمين الأوائل في احترام أماكن العبادة للآخرين -كما فعل عمر بن الخطاب في كنسية القيامة-.
ليس جديدا عمل اردوغان بتحويل آيا صوفيا “الحكمة الإلهية” إلى الجامع الكبير، وهو فعل معد بين المسلمين والمسيحيين، ولكنه تذكير بضرورة فصل الدين عن الدولة، وترك أمور الدين للعباد، وعدم استغلاله في السياسة والحكم، باعتبار ذلك الطريق نحو الحضارة التي قد تقوم على قيم دينية أو أخلاقية أو عقائدية يختارها الشخص بحرية وسلام في إطار دستور ديمقراطي يقوم على حرية الاعتقاد، ومشاركة المواطن في الحكم، وقبول التنوع والاختلاف بأمن وسلام، فاهم علي جنابك؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock