أفكار ومواقف

الحكم المحلي تجربة تستحق الإنجاح

تتكرر الأخبار والتقارير في الصحافة عن أزمة اللامركزية والبلديات، وتخفيض الموازنات، وآخرها كان في الغد أول أمس عن إلغاء 320 مشروعا خدميا في محافظة المفرق بسبب تخفيض موازنة المجلس والتي كانت تتضمن 407 مشاريع، .. وهكذا فإننا نفشل تجارب رائدة في التنمية والحكم المحلي، ونعاكس أيضا الاتجاه العالمي نحو توسعة دور المدن والمجتمعات في المشاركة الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى الاستفادة من الخبرات والمعلومات لدى المواطنين حول احتياجاتهم وأولوياتهم والتي لا تكون متوافرة على نحو صحيح وكفء في الإدارات المركزية، ليس أكفأ على سبيل المثال من المجالس البلدية في معرفة الفقراء والمحتاجين وكبار السن والمرضى مرضا مزمنا والمعوقين وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، وإمكانية إنجاح الرعاية الصحية والاجتماعية، وأفكر بالمغامرة عن الدور الثقافي للبلديات والمحافظات لكني أخشى من التعرض للسخرية!
لقد بدأ الحديث عن تطوير الحكم المحلي في الأردن مبكرا وجاء متزامنا مع اتجاهات وأفكار عالمية حول التحولات والاستجابات الاقتصادية والاجتماعية التي يفكرها فيها ويديرها العالم، وأجريت انتخابات اللامركزية للمحافظات لأول مرة في العام 2017، لكن لدينا تجربة مهمة وعريقة في البلديات وإدارة المدن وعلى نحو متواصل منذ العام 1880 في إربد ثم السلط وعمان والزرقاء ومادبا، وكان لدينا مئات المدن والبلدات قادرة على تدبير وإدارة الخدمات الأساسية واحتياجات المواطنين ضمن الموارد والأفكار المتاحة، وهي تبدو متواضعة اليوم، لكن ذلك بمقاييسنا اليوم، ذلك أن الدولة المركزية تقدمت بمراحل سريعة وواسعة على المدن والمجتمعات، ثم دخلت في عمليات تحديث وتنمية مركزية واسعة، وهي أيضا تجربة مهمة وكانت تمثل استجابة ضرورية لمرحلة عالمية توسعت فيها الدولة المركزية.
العالم اليوم يعيد تنظيم نفسه من جديد، ويدخل في مرحلة من التقشف وتقليل الإنفاق، وتعويض ذلك بتفعيل الكفاءات والموارد، وما من شك في أن المدن والمجتمعات تملك فرصا وإمكانيات لإدارة كثير من الخدمات والمؤسسات والأعمال الاجتماعية والتطوعية والتنموية بكفاءة جيدة وتكاليف أقل بكثير من الإدارة المركزية، وعلى سبيل المثال ففي مقدور جميع الأحياء السكنية تدبير إدارة وتنظيم المساجد فيها من خلال متطوعين وبمواردها الخاصة، ويمكن أن تدير في محيطها وبقدر من الكفاءة والخبرة الميدانية عمليات تكافل اجتماعي ورعاية صحية للأطفال وكبار السن والمرضى والمعوقين، ويجب أن نتوقف عن الصمت والتغاضي عن الحالة الصعبة وغير المعقولة التي تعيش فيها هذه الفئة من السكان، إذ نضحك على أنفسنا إذا كنا نعتقد أن الحلول والأفكار التوعوية والثقافية تكفي، فهي أعمال معقدة وتحتاج إلى تدريب وعمل حقيقي وتفصيلي واسع لا تصل إليه عمليات الوعظ والإرشاد والكتابة العامة والندوات والمحاضرات التي لا يحضرها سوى عدد قليل من الأصدقاء والموظفين!
يخبرني غوغل عندما بحثت عن الموضوع قبل كتابة هذه المقالة عن مؤتمر عقد في عمان عن حقوق الإنسان والتنمية الإنسانية دعي إليه مئات المشاركين من الخبراء والأكاديميين والقادة السياسيين والاجتماعيين، ويفترض أنه قدم في المؤتمر 250 ورقة عمل تتطلع إلى رؤى علمية تنمية مستمدة من المشاركة الواسعة للمواطنين، أو في عبارة عملية تحويل حقوق الإنسان والحريات والانتخابات إلى تنمية ملموسة في تحسين حياة المواطنين. وفي المحصلة لا يمكن أن تنجح البرامج والخطط برغم الإنفاق والنية الحسنة إذا لم يشارك فيها المواطنون، أو لم تعكس تجاربهم وتطلعاتهم.
ولا يبدو من بعد اجتماعي لتخطيط المدن والشوارع والأحياء.، ومن ينظر إلى خريطة المرافق العامة في الأحياء، ويسير في شوارع مدننا يستنتج بأن هذه الشوارع غير مصممة للناس والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة ليمشوا عليها، ويجزم أن أحدا لم يستمع إلى الناس، وأنهم لم يشاركوا في تخطيط مدنهم وأحيائهم ولا في إدارة وتنظيم مؤسسات الحكم المحلي ولا الخدمات والمرافق العامة، وأن العلاقة بين موردي الخدمات العامة (الحكومة والقطاع الخاص) وبين المواطنين/ المستهلكين علاقة بعيدة عن حرية السوق والتنافس والعدالة والحرية المفترض أن تنظم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock