أفكار ومواقف

الحكومة.. عين على الداخل وأخرى على “الصندوق”

بينما كان وزيرا المالية عز الدين كناكرية والتخطيط محمد العسعس في حالة اشتباك مع مسؤولي صندوق النقد الدولي في واشنطن لإقناعهم بحاجة الأردن لإجراءات وسياسات تضبط النفقات وتحفز النمو الاقتصادي وليس إضافة مزيد من الاعباء الضريبية على المواطنين، كان مجلس الوزراء في عمان يصادق على قرار زيادة رواتب المتقاعدين العسكريين، بما قيمته 53 مليون دينار سنويا. وقبل ذلك بأسابيع قليلة يمرر قرارا مماثلا يمنح المعلمين زيادات سنوية تزيد فاتورتها على 60 مليون دينار سنويا.
المفارقة هذه تلخص مأزق السياسات الاقتصادية في الأردن، وتعيد للأذهان قاعدة حكمت علاقة الدولة بمواطنيها على مر العقود. باختصار الأولوية هنا للاستقرار الاجتماعي والأمني في البلاد وبخلاف ذلك لن يكون ممكنا للحكومات ضمان الوضع للمرحلة المقبلة، وكسب الدعم لسياسات الاصلاح.
يجادل كثيرون وهم على حق بأن زيادة رواتب العاملين في القطاع العام بعد سنوات عجاف، سيساهم في تحريك الأسواق وانتعاش الحركة التجارية، والتي تعود بعوائد ضريبية على الخزينة.
صندوق النقد الدولي لا يحبذ مثل هذه السياسات ويفضل إجراءات تقشفية بصرف النظر عن كلفتها على الاستقرار الأمني والاجتماعي، ويراهن على قدرة الحكومات في دول العالم الثالث على ضبط إيقاع الاحتجاجات في الشوارع. لكن هذه النظرية سقطت كليا في الميدان بدليل ما شهدته وتشهده دول عربية وأجنبية من اضطرابات واسعة بسبب سوء الأحوال الاقتصادية، كان آخرها ما يحصل في لبنان وتشيلي.
حكومة الرزاز قررت على ما يبدو أن “تحمر عينها” في وجه الصندوق، فقد تواترت التصريحات على لسان الوزيرين كناكرية والعسعس التي تعبر عن رفض أي وصفات ومقترحات من قبل الصندوق تحمل الأردنيين مزيدا من الأعباء الضريبية، وكأن حوارات واشنطن الأخيرة قد حملت أفكارا من جانب الصندوق تصب في هذا الاتجاه.
لكن، وفيما تظهر الحكومة قدرا من الندية في مواجهة صندوق النقد الدولي، لا تسقط من حساباتها موعد المراجعة الثالثة الشهر المقبل، وحاجة الأردن لدعم الصندوق لحزمة إصلاحاته الاقتصادية كمحطة عبور إجبارية لنيل رضى المانحين والحصول على القروض والمنح الضرورية لكبح جماح العجز في الموازنة وتمويل النفقات المتصاعدة.
خلال فترة قريبة جدا ستطرح الحكومة خطة اقتصادية لتحفيز النمو في قطاعات أساسية، من المتوقع أن تتضمن ولأول مرة تخفيضا محدودا على ضريبة المبيعات وإعفاءات تساعد قطاعات أساسية على تحسين قدراتها التنافسية، وتخفف من أعباء تحد من نموها.
لسنوات عديدة مضت راهنت الحكومات على السياسات الضريبية لتحسين أحوال المالية العامة، وخفض العجز والدين العام،لكن النتائج كانت غير مبشرة أبدا، فقد تراجعت عائدات الخزينة مع تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفعت المديونية، ومعدلات الفقر والبطالة، إلى جانب تراجع كبير في القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع كلف المعيشة بشكل غير مسبوق.
حان الوقت لاختبار سياسة بديلة تراهن على خفض الضرائب وتحفز النمو الاقتصادي وتطلق ديناميكية جديدة تبعث الروح في الأسواق الراكدة، لتحقيق نفس الأهداف دون المس بجيوب المواطنين، لا بل مدها بالأموال لتحريك الأسواق وخلق فرص عمل، عوضا عن إنفاق المزيد على برامج مكافحة الفقر والجوع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock