أفكار ومواقف

الحكومة والتنمية: ما يجب وما لا يجب

يتمحور الدور الأساسي للدولة الحديثة وخاصة في مرحلة المشاركة الاقتصادية للأسواق والمجتمعات والأفراد مع السلطة السياسية في الإدارة العادلة والكفؤة للموارد العامة باتجاه مجموعة أساسية من الأهداف والأولويات؛ العدل والدفاع والأمن والتعليم والصحة والتكامل الاجتماعي، ثم إدارة مجموعة من المرافق والسياسات والتشريعات على النحو الذي يضمن أن يحصل المواطنون جميعهم بلا استثناء على فرص عادلة وكافية من التعليم والغذاء والدواء والسكن والعمل في بيئة كافية ومشجعة من الأمان والحريات والكرامة والعدالة والمرافق والمؤسسات التي تضمن هذه الأولويات والاحتياجات، وفي ذلك فإننا نقيم الموازنات السنوية والسياسات العامة والضريبية وفق هذه المعايير، ويؤشر استطلاع الرأي الذي أجراه مؤخرا مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية إلى وعي عام للمواطنين في هذا الاتجاه، ولذلك فإننا ببساطة نتساءل في تقييم الموازنة كما السياسات والاتجاهات الحكومية عن المدارس والمراكز الصحية والاجتماعية وقدرتها على الاستيعاب الفيزيائي والمهني للمواطنين جميع المواطنين بلا استثناء، ولا تعني الرطانة السياسية والإعلامية والإصدارات الجميلة المزينة بالانفوغرافيك والفيديو وبوربوينت والحماس الفائض والأناقة المبالغ بها سوى ما تخبرنا به الحكومة عن مدارس جديدة، إذ لا تستوعب المدارس القائمة ربع الطلاب، كما لا تستوعب المستشفيات والمراكز الصحية أكثر من ربع المواطنين، وأما الرعاية الصحية والاجتماعية لكبار السن والمعوقين والمرضى أمراضا مزمنة والأسر والحدائق العامة والمكتبات العامة والأرصفة والمرافق العامة فلم يصل إليها بعد الوعي الحكومية والانفوغرافيك وبوربوينت.
تفعل الحكومة خيرا وتقلل كثيرا من أزمتها مع المواطنين واستفزازهم لو تقلل الحديث والعرض الإعلامي لقصص الريادة والتحفيز والبرامج الاحتفالية الخاوية على عروشها مما يسمى تنمية الذات والطاقة الايجابية والمناظرات والمبادرات الشبابية المضحكة والمثيرة للسخرية؛ ذلك أنه وببساطة تنشأ الريادة والإبداع والتفكير الناقد والبرامج الشبابية الريادية والإبداعية كمحصلة لبيئة شاملة من التعليم المتقدم والمناهج المواكبة لمتطلبات المعرفة ومهارات الحياة والعمل في المدارس والجامعات والأندية والأحياء. والحال أن ما يجري في هذا المجال لا يفيد سوى مقاولين للأوهام وفنادق الخمس نجوم، وينشئ طبقة جديدة متطفلة ومتنمرة على المجتمعات.
لكن تفعل خيرا إذا اقتنعت الحكومة ومنظمات المجتمع المدني وشركاؤها الممولون من السفارات والوكالات الأجنبية بتنظيم برامج حقيقية وميدانية للشباب والشابات في العمل التطوعي وخدمة المجتمع الحقيقية والمباشرة مثل زراعة وتشجير وتطوير الأراضي الزراعية والجبال والبوادي، وتفعيل وترشيد الموارد والاستخدامات المائية، وتوفير الساحات والملاعب والمكتبات والمختبرات والغرف الصفية والحمامات والإرشاد الاجتماعي والأكاديمي والمهني والتربوي والنفسي والبرامج والأنشطة الإبداعية في الموسيقا والفنون والآداب والرياضة والكشافة والتنظيم الاجتماعي للأحياء والبلدات والطبقات والمهن والحرف.
لم يعد ممكنا للدول أن تحقق التقدم والتنمية بتشريعات ومؤسسات رسمية وتنظيمية بالطريقة التي تنشئ بها الجيوش والأجهزة الأمنية والبنوك، لكنها تتحق وتنجح من خلال ثقافة سائدة وشراكة مجتمعية وفردية مع الدولة والشركات وببناء منظومة من المؤسسات الاجتماعية الوسيطة بين المجتمع والدولة وبين المجتمع والأسواق.
وأخيرا أرجو ألا يكون حال الكتاب والمعارضين والنواب مع السياسات العامة والموازنة السنوية كما يجري كل عام على نحو يبدو تطبيقا لوصية لبيد بن ربيعة في البكاء والحزن
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock