أفكار ومواقف

الحل بالتكامل لا بالتفاضل

كان وضع المعلمين والمعلمات إبان فترة اقتصاد الكفاف أو الاقتصاد المختلط الذي ظل سائداً حتى عقد ستينيات القرن الماضي، هو الأفضل أو حتى الأسمى بين جميع الأوضاع الاجتماعية والمهنية الأخرى. كان المعلمون والمعلمات أشبه بطبقة خاصة متقدمة على غيرهم من العاملين في الميادين الأخرى كالأطباء، والمهندسين، والصيادلة، والمحامين.. مهنياً، حين كان شاغلوها يعدون على الأصابع في كل منطقة أو محافظة، فلم يشكلوا طبقة أو فئة مرئية أو متميزة كما في حالة المعلمين والمعلمات. وبتحول الاقتصاد من كفاف أو مختلط إلى اقتصاد نقدي أي إلى اقتصاد سوق، وقيام الدولة بفتح أبواب التعليم واسعة للجميع محلياً وخارجياً، فقد كثر بعد ذلك الخريجون في الطب، والصيدلة، والمحاماة، والقضاة، والهندسة.. وشكلوا طبقة مهنية رفيعة تمثلت بالنقابات التي كانت محرمة على المعلمين والمعلمات.
وهكذا تراجعت مكانة المعلمين والمعلمات ومهنة التعليم في المجتمع، فالمكانة تتكون – إجمالاً- من مستوى التعليم (Education)، ونوع العمل أو المهنة (Occupation) والدخل (Income) وهي غير محددة أو بارزة أو متميزة في التعليم كما في المهن الأخرى المذكورة.
لم تفكر الحكومات المتعاقبة في هذا التباين الاجتماعي والمالي الذي حصل، بل بالعكس “طنشت” على وضع المعلمين والمعلمات الاجتماعي والمالي البائس، ذلك أن كل حسبة مالية لتحسين وضعهم كانت تقابل بعددهم الكبير ولما يشكله من عبء على الموازنة كما كان يدعى، وزادت الضغوط إليهم – إبان فترة الحرب الباردة الطويلة – من سوء وضعهم.
لكن الوضع انقلب ثانية في صالحهم في عصر العولمة وحقوق الإنسان والأطفال وحتى الحيوان، ما أجبر الحكومة – أخيراً – إلى الخضوع إلى مطالب المعلمين والمعلمات لإنشاء نقابة لهم وإجراء تحسينات محدودة على رواتبهم وامتيازاتهم التي ظلت مقصرة عن تلبية حاجاتهم ورفع شأنهم، مقارنة بأعضاء المهن الأخرى.
ونتيجة لذلك ظل وضعهم الإجتماعي والمالي منفراً نسبياً، فلم يلتحق أحسن الطلبة في المهنة، ولم يبق أفضل المعلمين والمعلمات فيها ما أدى إلى هبوط متوالٍ في مستوى التعليم.
وللحقيقة نقول: لقد انخفضت القيمة النسبية لجميع المهن بعدما تفوق المقام المالي عليها، ففي المجتمع الرأسمالي فإن للمال القيمة الأولى وبالتالي لصاحبه القيمة الأولى حتى وان كان مشبوهاً فأنت ترى الناس يوسعون له في المجالس ولا يوسعون بالمثل أو بالمقدار للمعلم، أو للطبيب، أو للمهندس، أو للمحامي، أو حتى للقاضي، أو الأستاذ.
أما الحقيقة الخفية في كل ذلك فتنبع من فلسفة اللامبالاة الشعبية والرسمية في المهنة، فلم تُعطَ أو تأخذ المقام الأول أو المكانة الأولى المدعاة بالكلام عن رسالتها وقدسيتها، وان المعلم/ة كاد أن يكون رسولاً. وان كان في كل مهنة رسالة لو يدركون. هل مهنة التعليم – مثلاً – أهم أو أقدس من مهنة سائق الحافلة أو قائد طائرة الركاب أو سفينة الركاب.. التي تحافظ على حياة الناس؟!!
لو جعلت الدولة – حكومات ومجتمعات – مهنة التعليم في منزلة عليا شروطاً ومالياً لاستعاد المعلمون والمعلمات المكان الأرفع في المجتمع الذي فقدوه، وكما هو الحال في البلدان التي جعلت فلسفتها في التعليم، لمهنة التعليم المقام الأول إعداداً، وتكويناً، ومالياً.
وبمرور الوقت صارت قلوب المعلمين والمعلمات “مليانة” وسرعان ما انفجرت، فما الحل؟ الحل واحد من ثلاثة مما يلي: بالهيمنة أو بالتفاضل، أي بكسر أحد الطرفين شوكة الآخر، فيرضى طرف ويبرطع، ويخسر الطرف الثاني ويهان ويرفض. وبالتنازلات والمساومات فلا يرضى أحد لأن كلا منهما يشعر أنه خاسر. وأخيرا؛ بالتكامل فيرضى الطرفان بإحساس كل منهما أنه رابح فينزلان عن الشجرة ويتصافحان.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock