;
أفكار ومواقف

الحماية المسلحة للثقافة

مؤتمران عالميان على درجة كبيرة من الأهمية، شهدهما الأسبوع الماضي، عنيا بحماية الثقافة والتراث الثقافي الإنساني. الأول، مؤتمر حماية التراث المهدد في مناطق النزاع؛ عقد في أبو ظبي، وشاركت فيه 40 دولة. والثاني، هو المنتدى الثقافي الدولي؛ وعقد في العاصمة الثقافية الروسية سان بطرسبرغ، ويعد أكبر تظاهرة ثقافية دولية، وشارك فيه نحو 14 ألفا. والمؤتمران دعوَا إلى منظور جديد في حماية التراث الثقافي في مناطق النزاع.
مؤتمر أبوظبي جاء بنتائج ملموسة مباشرة، وذلك بالإعلان عن إنشاء صندوق دولي لحماية التراث المهدد بالخطر، على أن يخصص له مبلغ 100 مليون دولار، تحملت فرنسا وحدها 30 مليون دولار منها، كما أعلن الرئيس الفرنسي. ومن المتوقع أن تُنشأ بموجب وثيقة أعدت لهذه الغاية، مؤسسة دولية مستقلة يكون مقرها في سويسرا.
هذا التطور المهم، عُدّ من قبل بعض الخبراء نقطة تحول ومنعطفا تاريخيا في حماية التراث الإنساني. لكن متى جاء هذا التطور؟ بعد أن دُمّر الكثير من آثار الشرق القديم، أو نهبت أو هُربت، في آخر عقد ونصف عقد، في أكبر موجة تخريب للتراث الإنساني شهدها التاريخ الإنساني؛ فلم يحدث مثلها حتى في العصور الوسطى وقت غزو المغول وغيرهم.
لقد جاء التحرك الدولي متأخرا جدا. وقد فشل العالم في الإصغاء للأصوات التي كانت تطالب بحق الحماية المسلحة للثقافة والتراث الإنسانيين؛ أي التدخل الدولي العسكري من خلال مجلس الأمن الدولي. فحماية الآثار والثقافة الإنسانية لا تتقدم عليها في الحماية إلا حق الإنسان في الحياة. إذ فشل العالم في حماية آثار أفغانستان، وفشل في حماية متاحف بغداد وقت الغزو الأميركي، وفشل في حماية آثار مالي، وبعد ذلك آثار ليبيا وسورية والعراق. مشاهد المطارق الثقيلة وهي تهوي على رموز واحدة من أقدم وأرقى الحضارات الإنسانية في متحف الموصل، ستبقى ذكرى مخجلة في ذاكرة البشرية المتحضرة. وما حدث للمواقع العراقية والسورية بالفعل أكثر من مأساة ثقافية، بل كارثة ثقافية؛ حيث تم تدمير أكثر من 180 تمثالا في متحف الموصل وحده، معظمها تماثيل أصلية، من دون أن يتحرك العالم.
إلى هذا اليوم، لا يوجد تقدير موضوعي دقيق لحجم التدمير والخراب والإبادة التي تعرضت لها الآثار في العراق وسورية. وعلى الرغم من غضب المنظمات الأممية، وعلى رأسها “اليونسكو”، لهذه الجرائم والكوارث المتتابعة، فإننا لم نلمس أي جهد حقيقي واضح في هذا المجال.
خسرت البشرية نحو 70 % من آثار نمرود ونينوى، فيما أصبحث الآثار العراقية عموما تعرض بشكل علني في المزادات، ويتبادلها التجار عبر الحدود من دون قيود فعلية. وباعتراف وزير الثقافة العراقي، لا يوجد تعاون دولي إقليمي لحماية الآثار العراقية، وتحديدا وقف سرقة وتجارة الآثار، باستثناء التعاون الأردني. كما سمحت بعض الدول، وحتى الغربية، بتسهيل بيع آثار غير مكرورة ومرقمة ومسجلة في المتاحف العراقية، بيعت في المزادات الدولية.
الفكرة الخطرة الأخرى التي تتردد حاليا، هي ما يطلق عليه “حق الآثار في اللجوء”؛ أي تبرير نقل الآثار التي تقع في مناطق النزاعات إلى دول أخرى. وهو الأمر الذي قد يفتح المجال أمام المزيد من الهيمنة وترحيل التراث.
في المجمل، لا بد من إقرار حق التدخل والحماية المسلحة للتراث والثقافة الإنسانية. وهو أهم من الصناديق ومن أفكار اللجوء.

تعليق واحد

  1. الحماية المسلحة للثقافة
    شكرا اخي الفاضل الدكتور باسم على ماطرحت وكتبت بارك الله في جهودكم الخيرة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock