أفكار ومواقف

الحملات المجتمعية.. ليقرع الخزان

تفاعل واضح ومحمود لقيته حملة “فزعة مسامح” التي أطلقها نشطاء عبر مواقع التواصل الإجتماعي لدعم المدينين من المتعثرين ماليا. هي حملة لا يتوقع لها أحد أن تحل جزءا مهما من مشكلة تزايد أعداد هؤلاء المدينين، لكنها إيجابية ومهمة حتى لو حلّت فقط مشكلة العشرات أو المئات من المتضررين من جهة ومهمة أيضا لتكريسها نسقا مطلوبا من التكافل الاجتماعي الذي يسعى عبره المجتمع بمبادرات أهلية للحد من بعض القضايا المقلقة لنسيجه وتماسكه.
ومثل هذه الحملة ثمة العديد من الحملات الخيرية والمجتمعية التي يطلقها نشطاء ومجموعات شبابية لتوفير مدافئ أو محروقات لأسر معوزة لتأمينها بالتدفئة، وأخرى لتجميع ملابس مستخدمة أو تبرعات لمعونات غذائية، وغيرها من أوجه وحملات خيرية. ويلاحظ أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت وسيلة أساسية لتنسيق الجهود وتوسيع قاعدة المشاركين بمثل هذه الحملات بما يوسع من حجمها وفاعليتها مع الانتشار الكبير لهذه الوسائل بين المواطنين.
وثمة جهود أهلية منظمة عديدة باتت راسخة في فضاء العمل العام تقدم ربما ما هو أهم وأكثر تأثيرا في مجال العمل الخيري والتكافل الاجتماعي مثل تكية أم علي ودار أبو عبد الله وبنك الملابس وجمعيات خيرية ومبادرات تطوعية لنقابات مهنية وغيرها، لكنها كلها على أهميتها لا تقلل من أهمية المبادرات والحملات التطوعية والشبابية الموسمية التي ترتبط بقضايا معينة أو بحاجات لشرائح من المواطنين أو سكان منطقة ما، تماما كما هو الحال مع حملة “فزعة مسامح”.
هي مبادرات وحملات وجهود أهلية مهمة ومطلوبة بإلحاح حتى لو لم تتمكن من حل المشاكل التي تستهدفها من جذورها، فهي تعكس من جهة حيوية المجتمع وتنمّي بين أفراده القيم الإيجابية وتعزز من أواصره الجامعة وتماسكه خاصة في ظل الظروف الصعبة معيشيا واقتصاديا واجتماعيا التي يمر بها المجتمع الأردني اليوم والتي باتت تهدد، إن لم تكن قد فعلت، بخلق مجتمعات العشوائيات والهامش التي ينغل بها الفقر والحرمان والمعاناة وكل ما يجره ذلك من جريمة ومشاكل اجتماعية وأمنية ومفاسد لا تعد ولا تحصى.
لا يمكن للعمل التطوعي والأهلي والحملات الخيرية، المؤسسية أو غير المنظمة، أن تسد مكان الدولة ومؤسساتها الرسمية في معالجة قضايا الفقر والحرمان وغياب العدالة الاجتماعية وما تولده من آثار ومشاكل، بل إن تزايد مثل هذه الحملات الأهلية والخيرية يعكس، في جانب رئيسي منه، تراجع دور الدولة والحكومة وتقصيرهما عن واجباتهما ما يترك فراغا تحاول أن تملأ جزءا منه هذه الحملات والجهود التطوعية تماما كما تحاول أن تملأه في الجانب السلبي الجريمة والانحراف وعدم الاستقرار والفوضى.
المشكلة في تقصير الدولة وغياب دورها قد لا تكون أحيانا في نقص الإمكانات المادية بل ربما تكون ناتجة عن بعض الانحيازات الطبقية وسطوة التأثير بالقرار من قبل مراكز النفوذ واللوبيات المالية والاقتصادية والسياسية، كما هو الحال في قضية المتعثرين ماليا وحبس المدين، التي باتت اليوم متضخمة وواسعة تطال بشرورها أكثر من 300 ألف مواطن وفي رواية أخرى 500 ألف مواطن، نحو نصفهم بات طريدا في الخارج بعد أن تعثرت لدى أغلبهم تجاراتهم وأعمالهم وعجزوا عن سداد الديون فلم يجدوا أمامهم إلا الهروب من الحبس.
من هنا تحديدا تأتي أهمية حملة “فزعة مسامح”، التي بلا شك لن تكون قادرة على حل جزء يسير من أزمة مئات آلاف المواطنين وأسرهم من المدينين المتعثرين، لكنها على الأقل تعيد طرح هذه القضية بقوة للنقاش العام وتعلق الجرس تجاه حجم هذه المشكلة وما جرته القرارات الاقتصادية الرسمية من انهيارات معيشية واجتماعية واسعة.
يكفي هذه الحملة وغيرها من حملات تطوعية ومجتمعية فخرا أنها قادرة على “قرع الخزان” وإثارة الوعي العام وتنبيهه لضرورة التحرك لمواجهة أزماته ومشاكله.. ليس بالتبرع والتطوع فقط بل والأهم بإثارة التساؤل حول السياسات والنهج الذي ولّد هذه الأزمات والكوارث المجتمعية!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock