ترجمات

الحياة في الخراب: غزة، بعد عام من الحرب (1 – 2)

تقرير خاص – (منظمة بتسيلم) 10/5/2022
على مدى 11 يوماً متواصلة، قصفت إسرائيل بلا توقف قطاع غزة؛ أحد الأماكن الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم. وقتل في القصف 232 شخصاً، نحو ربعهم من الأطفال، وأكثر من نصفهم لم يشاركوا في أي أعمال قتالية. وقد قتل الكثيرون منهم وهم في داخل منازلهم، من دون أن يكون لديهم أي مكان يهربون إليه أو يختبئون فيه. كما أصيب آلاف الأشخاص وفقد الآلاف بيوتهم وكل ممتلكاتهم. وبعد مرور سنة على الحرب، تحدث باحثو “بتسيلم” الميدانيون في قطاع غزة مع من فقدوا أحباءهم وبيوتهم. وفي ما يلي شهاداتهم:
شهادة دنيا عسلية، (46 عاماً وأم لثمانية). قتلت ابنتها ديما، (10أعوام)، في 19/5/2021 جراء صاروخ إسرائيلي سقط بجوار منزل الأسرة، شرقي مخيم جباليا للاجئين:
* * *

فقدت ابنتي ديما عندما كانت تساعدني على إعداد وجبة العشاء. طلبت منها أن تجلب لي طنجرة الخبز من منزل شقيقتها ديانا التي تقيم بالقرب منا. وفي طريق عودتها قتلت ديما قرب منزلنا جراء صاروخ أطلقته طائرة حربية إسرائيلية ومزق جسدها إرباً. عندما سمعت دوي انفجار الصاروخ الذي أصاب ديما على ما يبدو، أخذت أصرخ. شعرت بالاختناق وبخوف شديد. تحطم زجاج نوافذ منزلنا وتساقط الحطام فوق العجين والخبز الذي كنت أعده. قالوا إنه صاروخ إنذار وعلينا الخروج من المنزل فأسرعت أركض إلى الخارج. عندئذ قال لي أحدهم إن ديما اختنقت. رأيت في الخارج سيارة مسرعة كانت تنقل ديما إلى المستشفى. كان أول من وصل إلى حيث سقطت ديما زوجي وشقيقه وهما اللذان قاما بإخلائها. بعد ذلك جاء زوجي وأبلغني بأنها استشهدت فشعرت بالاختناق والألم يعتصرني. يا لهول تلك الصدمة.
كانت ديما تخاف جداً من الحرب. قبل مقتلها بأربعة أيام طلبت مني أن نترك المنزل ونلجأ إلى مدرسة وكالة الغوث. قالت لي إنها لن تسامحني إذا حدث لها شيء. عندما سمعت أننا قد نترك المنزل جمعت أغراضها وألعابها في حقيبة لكي تجدها جاهزة عند الحاجة.
عندما أتوا بي لأودعها لم أستطع التعرف عليها. كانت شظايا من طنجرة الخبز ومن الصاروخ قد اخترقت وجهها. كانت ديما طفلة بريئة. ماذا فعلت لكي تستحق الموت بهذه الطريقة الفظيعة؟ ديما لن ترتدي ملابس العيد التي جلبتها لها.
مرت سنة على استشهاد ديما ولم يبق لنا سوى الذكريات. أنا أشتاق إليها كل الوقت ويشتاق إليها أطفال الحي وأصدقاؤها أيضاً. زوجي يتذكر ديما كل يوم، وخاصة في أيام الجمعة حين تجتمع الأسرة كلها ما عدا ديما.
عندما نجلس حول المائدة لكي نتناول الطعام يبقى مكانها خالياً. الأولاد يذكرونها طول الوقت ويتحدثون عنها. كل يوم أنظف المكان الذي قتلت فيه ديما، قرب المنزل. كل يوم أحتضن قبرها وأبكي والألم العميق يعتصر قلبي. لا توجد كلمات تكفي لوصف هذا الألم. أصدقاء ديما يأتون إلينا يومياً، يلقون التحية ويضعون الورود في المكان الذي سقطت فيه ديما شهيدة ويوزعون الحلوى عن روحها. عندما يلعبون قبالة منزلنا يرددون اسم ديما ويكتبون اسمها في دفاترهم. أنا أتألم عندما أرى كل هذا. يقولون إن ديما ذهبت إلى الجنة.
يعتصر الألم قلبي عندما أمر في جوار مدرسة ديما وأرى الأطفال وأصدقاءها. أخشى كثيراً زيارة المدرسة ولقاء مدرساتها وأصدقائها. أحاول ألا أنهار وأبكي.
ما زلت أحتفظ بحقيبة ديما وملابسها. أقبلها وأحتضنها وأتنشق رائحتها كل يوم. أنا أشتاق كثيراً إلى صغيرتي ديما. أشتاق إلى مداعبة شعرها وتحسس وجهها.
منذ أن استشهدت ديما لم أحضر أي فرح. قبل أن أخرج من المنزل أقبل صورتها وأقول لها: “لن تخرجي اليوم معي. سوف أخرج من دونك”. وعندما أعود إلى المنزل وفي لحظة وصولي إلى زاوية الطريق المؤدية إلى المنزل أتذكر كيف كانت ديما تركض في الطريق قادمة لاستقبالي وأشعر بالأسى العميق. أتذكر كيف كانت تفتح لي باب المنزل وتستقبلني بالعناق.
أسمينا ابنة ابني على اسم ديما لكي تخلد ذكراها في العائلة. أحياناً يصعب علي أن أنادي حفيدتي باسمها، ديما. يصعب علي أن أسمع الأطفال يتساءلون متى ستكبر وتصبح مثل ديما لكي يلعبوا معها.
كانت ابنتي ملاكاً صغيراً. عندما ودعتها لم أستطع التعرف عليها لأن جسدها كان ممزقاً. هل عرضت ديما الجيش الإسرائيلي للخطر حين كانت تحمل في إحدى يديها طنجرة خبز وفي الثانية بعض الحلوى؟ نحن مجرد مدنيين آمنين في داخل منازلنا، ولا نشكل خطراً على إسرائيل بأي شكل من الأشكال. يجب على العالم أن يشعر بألمنا وأن يتذكر أطفالنا الصغار الذين يقتلون أمام أعيننا من دون أن نقدر على فعل شيء. نبكي ونتألم فقط.
خلال حرب 2008 كنت حاملاً وأجهضت حملي جراء استنشاق الفوسفور من القذائف التي أطلقها الجيش الإسرائيلي. في ذلك الحين أيضاً طالتنا أسلحة إسرائيل وأصابت صواريخها منازلنا. أين هم حكام العالم عندما يحدث كل هذا في غزة؟! نحن نموت موتاً بطيئاً. أين هي مواثيق حقوق الإنسان التي تمنع المس بالأطفال؟ طالبنا بمحاكمة المسؤولين عن كل هذا لكننا لم نتلق أي رد. أنا أسأل العالم: هل تحبون أن يقتل أطفالكم كما قتلت ديما وأن تشوه أجسادهم لدرجة عدم تمكنكم من التعرف على جثامينهم كما حدث لي؟!
الحرب لا تنتهي أبداً. نحن محاصرون من كل الجهات. أشعر بأننا سندفع نحن أيضاً حياتنا ثمناً في الحرب المقبلة، أنا أو أحد أفراد أسرتي. حتى الملاجئ التي نهرب إليها ليست آمنة. في الحروب السابقة طالت أسلحتهم الملاجئ أيضاً. هل أطفال غزة هم بنك أهداف الجيش الإسرائيلي؟ هل كانت طفلتي “مطلوبة” للجيش الإسرائيلي؟!
*استمعت إلى شهادتها باحثة “بتسيلم” الميدانية ألفت الكرد في 21/3/2022.

* * *
شهادة سحر الفرعاوي/ ياسين، (53 عاماً وأم لستة أطفال) من سكان حي الصبرة في مدينة غزة. قضى ابنها آدم (18 عاماً) حرقاً جراء قصف الجيش الإسرائيلي لمنزل الأسرة في 14/5/2021:
فقدت ابني آدم قبل سنة تقريباً حين قصفت إسرائيل منزلنا واشتعلت النيران فيه أمام أعيننا. الجزء الغربي من منزلنا احترق بالكامل ولم يعد صالحاً للسكن. وصارع آدم الموت طوال ست ساعات في مستشفى الشفاء، وحين أعلن الأطباء وفاته وقع علينا النبأ مثل الصاعقة.
منذ وفاة آدم أشعر وكأنني أعيش كابوساً أنتظر الاستيقاظ منه. انهارت صحتي وأصبحت أرتاد العيادات الطبية يومياً. أعاني من تشنجات في العنق والكتفين ومن وهن في الرجلين واضطراب في دقات القلب (خفقان). روحي تتألم على فقدان ابني. كل يوم أقول لنفسي “بكره بتهون” ولكن عبثاً، لا شيء يتغير. أدخل إلى غرفة آدم كل يوم وأتخيله في كل زاوية. لم تبق لنا أي ذكرى منه لأن غرفته احترقت برمتها -ملابسه، حقيبته، حاسوبه النقال… كل شيء احترق.
لا أستطيع أن أنسى منظر آدم والنار مشتعلة في جسده كله. عندما كنا نحاول إطفاء النار قال لي: “لا تخافي يا أمي”. أنا على يقين بأنه في الجنة الآن وهذا ما يطمئن قلبي قليلاً.
أعياد الميلاد في الأسرة هي أيام حزن وعزلة. كلما جلسنا حول المائدة لتناول الطعام، بعد عودتنا إلى منزلنا، أنظر إلى مقعد آدم الفارغ فأناديه، ولكن لا جواب. لا أعرف كيف سيمر علينا شهر رمضان وعيد الفطر. أتذكر آدم فأرى في مخيلتي كيف تبدو عيناه حين يضحك وأرى ابتسامته الرقيقة. حين أكون في المنزل، تنتابني مشاعر مختلطة. من جهة أكره المكوث فيه، ومن جهة أخرى لي فيه ذكريات من آدم. أراه طول الوقت في منامي يبتسم ويضحك دائماً.
بعد مقتل آدم أقمت لمدة شهرين في منزل أخي في شمال قطاع غزة لأن منزلنا كان غير صالح للسكن. عدنا بعد أن رممنا المنزل واقتنينا أثاثاً جديداً. كانت العودة للسكن في منزلنا وآدم غائب عنه صعبة جداً علي.
منذ قتل آدم لم أشارك في مناسبات اجتماعية أو عائلية. لست مهيأة لذلك نفسياً بعد. يصعب علي ذلك في غيابه وأحس كأن سكيناً تقطعني من الداخل.
كان آدم طالباً جامعياً في السنة الأولى لكنه لن يكمل دراسته مثل بقية زملائه. حبيبي آدم. لقد ذهب إلى غير رجعة. لقد فقدت قلبي وروحي بفقدانه.
أذهب كثيراً لزيارة قبره ولا أصدق أنه مدفون تحت الأرض. أقرأ آيات من القرآن وأتحدث معه. أقول له: “استعلجت الرحيل كثيراً يا آدم. أنا على ثقة بأنك في مكان أفضل الآن”. أشعر أحياناً وكأنه ما يزال على قيد الحياة. أنظر إلى السماء وأحس بأنه في مكان أفضل. كلما نهضت لأغادر بعد زيارة قبره أعده بأنني سأعود قريباً. أحياناً آخذ معي أولادي كي يجلسوا بجانبه ويتحدثوا إليه. كان الله في عوننا.
قدمنا دعوى تعويضات عن مقتل آدم لكننا لم نسمع أي شيء حتى الآن. وكأن مقتل ابني حادثة لا معنى لها، مرت وانتهت. أي ضمير يملكه هذا الذي قتله؟ الذي أطلق الصواريخ على منزلنا وأحرق ابني؟ أريد أن أواجهه وأسأله: “هل كان ابني آدم ضمن أهدافكم؟ هل عرضك للخطر بأي شكل من الأشكال؟ كان آدم نائماً في سريره، في غرفة نومه! لا سامحكم الله على قتل ابني روح قلبي”.

*هذه الإفادة استمعت إليها باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 20/3/2022.

* * *
شهادة آمال المصالحة، (41 عاماً، أرملة وأم لسبعة) من سكان دير البلح. قتل زوجها خالد المصالحة، (49 عاماً)، جراء إطلاق قذيفة من دبابة إسرائيلية نحو منزل الأسرة في 16/5/2021:
في 16/5/2022 حلت الذكرى الأولى لاستشهاد زوجي خالد المصالحة جراء قذيفة أصابت منزلنا في دير البلح.
قصف المنزل وفقدان زوجي تركا أثراً قاسياً علي وعلى أولادنا، وخصوصاً إبراهيم (14 عاماً) وسمر (8 أعوام). أصبح إبراهيم كثير البكاء وميالاً إلى الانطواء وأصبحت سمر عدوانية، خاصة حين ترى أطفالاً آخرين يلعبون مع والديهم. تظل تقول كل الوقت: “ليت والدي ما يزال حياً”. لا آخذها معي عندما أذهب لزيارة إخوتي لأنه يصعب عليها رؤيتهم يلعبون مع أولادهم. قبل شهرين بدأ إبراهيم وسمر يتلقيان دعماً نفسياً في مؤسسة “تامر” بتمويل من وكالة الغوث.
منذ أن قتل خالد فقدت طعم الحياة، أحس بفراغ كبير والظلمة تخيم علي. كان عامل مياومة بسيطاً وكان المعيل الوحيد لأسرتنا. الآن أصبحت مسؤولية الأسرة كلها على عاتقي وحدي. وضعنا الاقتصادي سيئ جداً ولا مدخول لنا سوى 100 دولار شهرياً نتلقاها من صندوق الدعم القطري وصناديق كفالة الأيتام.
رزق ابني أيمن بعد الحرب بطفل أسماه خالد على اسم والده. هذا الحدث أدخل بعض البهجة على حياتي. أقضي معظم وقتي بالاعتناء بحفيدي.
منذ أن استشهد زوجي لا أشارك في المناسبات الاجتماعية. أنا منهكة نفسياً. لم أذهب حتى إلى حفل تخرج ابنة أخي نسرين من الثانوية العامة واكتفيت بتهنئتها من بعيد.
الشكوى التي قدمتها ضد الاحتلال الإسرائيلي لم تؤد إلى أي نتيجة وكأن شيئاً لم يحدث. لا أفهم لماذا يتجاهلوننا، نحن أسر الضحايا، بعد ما فعلته بنا سلطات الاحتلال الإسرائيلي. إنهم المسؤولون الأساسيون عما نعانيه اليوم.

*هذه الإفادة استمع إليها باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، في 21/3/2022.

* * *
إفادة شكري الكولك، (51 عاماً)، من سكان مدينة غزة، أرمل وأب لخمسة، قتلت زوجته وثلاثة من أولادهما مع 18 آخرين من أفراد العائلة الموسعة عندما قصف الجيش الإسرائيلي في 16/5/2021 أربع بنايات بالصواريخ وقتل 46 شخصاً:
أقيم مع ولدي اللذين تبقيا لي -أسامة (20 عاماً) وزينب (23 عاماً)- بعد أن فقدت في الحرب زوجتي أمل (42 عاماً)، وأولادنا طاهر (23 عاماً)، وأحمد (15 عاماً)، وهناء (14 عاماً)، ووالدي أمين (89 عاماً)، ووالدتي سعدية (84 عاماً)، وشقيقتي بهاء (48 عاماً)، وشقيقي فوزي (62 عاماً) وثلاثة من أبنائه: رهام (32)، عبد الحميد (22)، وسامح (28)، وكنته آيات (19 عاماً)، وحفيده قصي (خمسة أشهر)، إضافة إلى تسعة آخرين من أقارب العائلة. جميعهم قتلوا عندما قصفت إسرائيل البناية التي كنا نقيم فيها في شارع الوحدة في حي الرمال في مدينة غزة. بقيت عالقاً تحت الأنقاض طيلة 12 ساعة تقريباً إلى أن انتشلوني ونقلوني إلى المستشفى.
رقدت قيد العلاج في مستشفى “حمد” لمدة 22 يوماً. وبعد تسريحي منه انتقلت إلى شقة استأجرناها في حي تل الهوى في مدينة غزة.
منذ ذلك اليوم الفظيع أعيش كل يوم من جديد ألم الفقدان وألم بقائي حياً بينما قتلوا هم جميعاً. حياتي من بعد ذلك اليوم لم تعد حياة. إنها متشحة بالسواد. لا أرى سوى السواد. كانت لي أسرة وكنت إنساناً محباً للحياة، أما الآن فأنا مجرد خيال إنسان. منذ أن قتلت زوجتي أشعر بأن الخواء يملأني.
فقدت حياتي كلها، أسرتي التي أنشأتها وجميع ذكرياتي. لقد عشت معهم ولأجلهم. كانوا هم كل حياتي. كل ما فيها تمحور حولهم. كنا نعيش أنا وزوجتي من أجل أولادنا -ربيناهم وأنشأناهم على أمل أن نراهم كباراً ناجحين في الحياة. كان أملنا أن نفرح بنجاحاتهم ونشعر بالراحة والسعادة. كنا أسرة سعيدة.
منذ ذلك اليوم، لا أستطيع المرور قرب خرائب بنايتنا ولا حتى دخول ذلك الشارع الذي ترعرعت فيه وأمضيت فيه حياتي كلها. أتهرب من ذلك المكان. لا أستطيع أن أرى كيف أصبح المكان الذي ولدت فيه كومة من الخراب والدمار. لا أريد أن أرى المكان الذي قتلت فيه زوجتي وأولادي وبقية أفراد عائلتي.
لقد دمر الاحتلال الإسرائيلي حياتنا ومحا ذكريات 51 عاماً عشتها في ذلك المكان. هذا الشارع ومنزلي الذي كان مصدر نعمة وحياة هنيئة تحولا إلى لعنة ونقمة. لقد قتلوا من قتلوا وشردوا من شردوا من مدنيين أبرياء من دون أي مبرر.
الجميع يستحق التمتع بحقوق الإنسان. المدافعون عن حقوق الإنسان في العالم من واجبهم أن يدافعوا عن الضحايا في قطاع غزة أيضاً. ممنوع غض الطرف عن الفظائع التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي هنا. نحن نعيش في توتر وقلق وخوف طوال الوقت من أن تندلع حرب أخرى فتقصف منازل ويقتل مدنيون مرة أخرى. لا أحد آمن هنا ولا حتى داخل منزله. من واجب العالم أن يقف إلى جانبنا لنتمكن من العيش بأمان ومن دون سقوط المزيد من الضحايا.

*استمع إلى إفادته باحث بتسيلم الميداني، محمد صباح، في 21/3/2022.

* * *
شهادة آمنة الزوارعة (42 عاماً وأم لخمسة أبناء في سن 14-23 عاماً) من سكان بيت لاهيا. قصفت إسرائيل منزلها يوم 13/5/2021:
يقضي زوجي إبراهيم الزوارعة، (54 عاماً)، حكماً بالسجن لمدة 16 عاماً في إسرائيل. بقيت له أربعة أعوام حتى يتحرر من السجن. حتى العام 2021 كان لنا منزل كبير مؤلف من ثلاثة طوابق لكنه تعرض للقصف في الحرب الأخيرة. منذ ذلك الحين وضعي صعب جداً، مالياً ونفسياً. لا أصدق ما جرى لنا. كنا نمتلك منزلاً خاصاً بنا وفجأة أصبحنا مشردين. منذ ذلك الوقت لم أعرف الراحة أبداً.
قصف منزلنا في 13/5/2021. دمروه تماماً. عندما حصل القصف كنت مع الأولاد في زيارة لدى أقرباء لنا. عند الساعة 2:00 بعد منتصف الليل تقريباً علمت عبر وسائل الإعلام أن الجيش الإسرائيلي قصف منزلنا ونحو تسعة مبانٍ سكنية أخرى في المنطقة. في وقت القصف كان ابني عبد الله في صالون الحلاقة الذي كان يديره في منزلنا.
سمعنا عن سقوط شهداء من عائلة الطناني وعائلة المدهون فخفنا كثيراً على عبد الله. توجه إخوتي إلى هناك بسرعة والحمد لله أنهم وجدوه خارج المنزل. كان خائفاً جداً وفي حالة نفسية سيئة. عندما أتوا به كانوا يحملونه. كان في حالة صعبة.
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى منزلي فوجدته كومة من رمال وحجارة. ذهب هباءً جميع المال والجهد الذي بذلته في بناء هذا المنزل. شعرت بأنني أنهار وأفقد كل عالمي. لقد بذلت كل مالي ووقتي طوال سنين في بناء هذا المنزل من أجل أولادي.
عندما خرجنا لزيارة أقربائنا في ذلك اليوم، لم نأخذ شيئاً معنا. تحول المنزل إلى أنقاض دفن تحتها أثاثنا كله وجميع أغراضنا التي لن نحصل عليها ثانية أبداً. المنزل نفسه محي عن وجه الأرض. الدمار الذي رأيته في منزلنا وفي المنطقة كلها سبب لي يأساً عارماً وحزناً عميقاً. أصبحنا، أنا وأولادي، بحاجة إلى علاجات نفسية وكنا مضطرين إلى تناول الأدوية المهدئة لأشهر عدة، وعلى الأخص ابني عبد الله (23 عاماً) الذي شاهد المنازل وهي تتهاوى أمام عينيه ورأى جثث الشهداء الذين سقطوا في المنطقة. حتى اليوم لا يستطيع النوم لأنه يعاني من كوابيس.
بعد قصف منزلنا أقمنا في منزل والدي. كانت تلك الأيام صعبة جداً. كانت أعصابنا تالفة وكنا نبكي ليلاً ونهاراً.
عائلة أهلي كبيرة والمنزل كان مكتظاً جداً. ولأنني لم أحتمل المكوث هناك بدأت البحث بعد بضعة أشهر عن شقة للإيجار لي ولأولادي. استأجرت شقة في منطقة الشيخ زايد في بيت لاهيا لقاء 200 دولار شهرياً. في الشهر الأول دفعت بدل الإيجار من جيبي الخاص ثم حصلنا على 2.000 دولار من وكالة الغوث لدفع إيجار المنزل وشراء أثاث وملابس لي وللأولاد. فقدنا جميع الأدوات الكهربائية الثمينة وقطع الأثاث التي كانت لدينا. هذا المبلغ لم يكن كافياً لشراء كل ما كنا نحتاج إليه لإعالة الأسرة فاقتنينا بعض الأثاث الضروري فقط. في كانون الأول (ديسمبر) الماضي حصلنا على دفعة ثانية من وكالة الغوث بقيمة 2.500 شيكل بدل الإيجار عن أربعة أشهر، لكن هذا لا يغطي فواتير الكهرباء والماء.
أسرتنا مؤلفة من ستة أفراد ومساحة المنزل لا تكفينا. توجد غرفتا نوم فقط وصالون ومطبخ ومرحاض. لا توجد تدفئة ولا مياه ساخنة. في معظم الوقت لا توجد مياه جارية مما يضطرنا إلى الذهاب إلى منزل والدي للاستحمام. أحياناً نسخن المياه بواسطة الغاز. وإضافة إلى هذا كله، المنزل بعيد عن مدارس أولادي، مما يجعل الحياة أكثر صعوبة.
وضعنا المالي صعب جداً. بنيت هذا المنزل من مالي رويداً رويداً ثم أتوا ودمروه خلال لحظة واحدة. كانت التكاليف مرتفعة ولذلك اقترضت مبالغ كبيرة لكي أبني المنزل وتراكمت على كاهلي ديون كثيرة. كنا نخطط للانتقال إلى الطابق الثاني لكن الحرب سبقتنا فنشبت قبل ذلك.
اختار عبد الله عروساً وعقدنا خطوبتهما، لكننا لا نملك المال اللازم لإقامة العرس وتزويجهما ولا أعرف أين سيقيمان بعد الزواج؛ فقد خسر صالون الحلاقة خاصته وهو يعمل الآن أجيراً لدى حلاق آخر في المدينة. لا أحد يسمع صرختنا. نحن مدنيون أبرياء. لماذا قصفوا منزلي؟ لماذا شردونا؟ الحياة صعبة من دون منزل خاص بنا ومن دون استقرار. نحن لا ذنب لنا في هذه الحرب. لم نتلق أي إنذارات أو تحذيرات -بل لم يعطونا مهلة حتى لكي نخلي بعض الأغراض من المنزل. انقلبت حياتنا رأساً على عقب.
أفكر طوال الوقت بالمنزل وتراودني ذكريات حلوة من حياتنا هناك حين كانت الأسرة كلها مجتمعة حولي. أتذكر سطح المنزل كيف كانت تغمره الشمس. هناك ذكريات جميلة في كل زاوية من المنزل، كيف كنا نعيش ونستقبل الضيوف. همي الأساسي اليوم هو أن أبني من جديد منزلاً خاصاً بنا، من أجلي وأجل أولادي. (يتبَع)

* تأسس “مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة” (بتسيلم) في العام 1989. يعمل من أجل مستقبل تضمن فيه حقوق الإنسان والحرية والمساواة لجميع بني البشر -فلسطينيين ويهود– المقيمين بين النهر والبحر. ولن يتحقق ذلك إلا بإنهاء الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي. يقوم المركز بتوثيق وتقصي ونشر معلومات وشهادات ومواد توثيقية مصورة وأوراق موقف وتقارير حول انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في المنطقة بين البحر والنهر.

اقرأ أيضا :

الحياة في الخراب: غزة، بعد عام من الحرب (2-2)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock