ترجمات

الحياة في الخراب: غزة، بعد عام من الحرب (2-2)

تقرير خاص – (منظمة بتسيلم) 10/5/2022

على مدى 11 يوماً متواصلة، قصفت إسرائيل بلا توقف قطاع غزة، أحد الأماكن الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم. وقُتل في القصف 232 شخصاً، نحو رُبعهم من الأطفال، وأكثر من نصفهم لم يشاركوا في أي أعمال قتالية. وقد قُتل الكثيرون منهم وهم في داخل منازلهم، من دون أن يكون لديهم أي مكان يهربون إليه أو يختبئون فيه. كما أصيب آلاف الأشخاص وفقد الآلاف بيوتهم وكل ممتلكاتهم. وبعد مرور سنة على الحرب، تحدث باحثو “بتسيلم” الميدانيون في قطاع غزة مع من فقدوا أحباءهم وبيوتهم. وفي ما يلي شهاداتهم:

شهادة عبد الكريم شحادة (68 عاماً، أرمل وأب لثلاثة أعمارهم 28-31 عاماً) من سكان مخيم جباليا للاجئين. قصفت إسرائيل منزله في 13/5/2021:
في يوم الجمعة الموافق 13/5/2021 نحو الساعة 9:00 صباحاً، كنت في طريقي إلى المسجد حيث إنني مؤذن متطوع. هاتفتني ابنتي لولو (31 عاماً)، وأخبرتني بأن شخصاً من الجيش الإسرائيلي اتصل هاتفياً وقال إن علينا إخلاء المنزل خلال عشر دقائق. عُدت بسُرعة إلى المنزل، وعندما وصلت وجدت لولو وأبنائي ونساءهم وأولادهم يقفون في الشارع وفي أيديهم بعض الحاجيات الأساسية. كان الأطفال يصرخون ويبكون من الخوف. دخلتُ إلى المنزل بسُرعة لكي آخذ بعض المستندات والأغراض الشخصية وخرجت. انقسمنا لنبحث عن أماكن نلوذ بها. أنا ولولو اختبأنا خلف جدار قريب من المنزل لكي نتمكن من رؤية ما يجري.
خلال ثلاث دقائق سمعنا انفجار صاروخ إنذار وبعد ثلاث دقائق أخرى رأينا طائرة حربية إسرائيلية تقصف بنايتنا. أحدثَ القصف دوياً هائلاً ومُرعباً اهتزت له المنطقة كلها. كان الركام والزجاج يتطاير في الهواء، وبعد دقائق عدة اشتعلت النيران في المنزل. جاءت طواقم الدفاع المدني لإطفاء النيران ومنع انتشارها وقامت بقطع الكهرباء خوفاً من حدوث تماس كهربائي في المنازل المجاورة.
بعد بضع ساعات اقتربتُ من المنزل فوجدته كومة خرائب. كانت النيران قد أتت على كل شيء ولم يتبق لنا أي شيء. لم يكن هناك سوى حجارة وباطون وأثاث محطم. كل ما بنيته طوال عشرين عاماً بيدي الاثنتين وصرفت عليه توفيراتي كلها ضاع خلال لحظة واحدة.
كان منزلنا مؤلفاً من أربعة طوابق تشمل أربع شقق كلها ملك لي. بدأت في بنائه العام 2000. أنشأنا في البداية طابقين، وفي العام 2018 أنشأت الطابق الثالث بعد أن تزوج ابني أسامة (30 عاماً)، الذي يعمل شرطياً في شرطة غزة.
هذه البناية بنيتها بالأموال التي كنت أوفرها طوال حياتي. في بداية الثمانينيات سافرت إلى ليبيا وعملت هناك مدرساً للغة العربية لمدة 17 عاماً. بعد ذلك عُدت إلى غزة وعملت لمدة 16 عاماً في السلطة الفلسطينية في قطاع غزة. هكذا مولت بناء المنزل وتعليم أبنائي. في العام 2013 خرجت إلى التقاعُد. في العام 2021 فقط بنيت الطابق الرابع بعد أن تزوج ابني خليل (28 عاماً)، الذي يعمل، هو أيضاً، شرطياً في شرطة غزة. قصفوا منزلنا من دون أي مبرر. دمروه أمام أعيننا. عندما كنا نسكن في منزلنا كنا نعيش حياة مستقرة وبأمان اقتصادي. اليوم نحن مضطرون إلى السكن في شقق مستأجرة وعلى حسابنا الخاص. أصبحنا نازحين مشردين.
أقيم الآن مع ابنتي لولو في مخزن يشمل مطبخاً ومرحاضاً. نعيش في ظروف رديئة وليس لدينا حتى مكان لنستقبل الضيوف فيه. أنا أتلقى مخصصات تقاعد بقيمة 1.500 شيكل ومن هذا المبلغ أدفع 500 شيكل بدل إيجار وفواتير الماء والكهرباء فيتبقى لي ولابنتي ألف شيكل فقط. نحن نعيش حالة من التوتر والقلق الدائمين خوفاً من عدم القدرة على الصمود اقتصادياً.
الظروف الصعبة سببت لنا أزمة نفسية عميقة. نحن نقيم في مكان لا نشعر بالانتماء إليه وأنا شخصياً أشعر كأنني أقترب من النهاية وأن كل شيء مؤقت. حصل تدهور في وضعي الصحي أيضاً وأصبت بمرض السكري.
زوجتي توفيت قبل قصف منزلنا بأسبوع واحد. قلبي يتحسر على غيابها. لا أعرف متى سنتمكن من جمع شملنا كأفراد أسرة ومن بناء منزل جديد.

  • * *
    شهادة سناء عيسى، (36 عاماً، أم لخمسة أولاد أعمارهم 10-19 عاماً) من بيت لاهيا. قصفت إسرائيل منزلها في 13/5/2021:

عند منتصف ليلة 13/5/2021 تقريباً ومن دون أي إنذار مُسبق قصفت طائرات الجيش الإسرائيلي منزلنا الذي كان يقع قرب دوار الشيخ زايد في بيت لاهيا. لم نكن في المنزل في ذلك الوقت لأننا كنا نخاف من القصف فنمضي ساعات الليل في منزل شقيق زوجي في مخيم جباليا للاجئين.
عندما سمعنا عن القصف توجه زوجي نائل إلى المنزل فوراً، ولما عاد أخبرنا بأنه لم يبق منه أي شيء. قال إن الأثاث والملابس وأدوات المطبخ والأدوات الكهربائية مدفونة كلها تحت الأرض. عندما عاد من هناك قال: “لم يبق لنا بيت. البيت اختفى!”، فأجهشت بالبُكاء.
في لحظة واحدة فقدت المنزل الذي عشت فيه أجمل فترات حياتي. المكان الذي أنجبت فيه أولادي. كانت لدينا حديقة صغيرة وكنت أقضي فيها أوقاتاً كثيرة مع أولادي. كانت لنا أيام حُلوة مع جيراننا أيضاً لكننا تفرقنا وأصبح كل يسكن في ناحية.
أقمنا في منزل شقيق زوجي لمدة أسبوعين ثم غادرنا لأن منزله صغير ولا يتسع لأسرتين تعدان معاً 12 فرداً. استأجرنا شقة في بيت لاهيا تشمل أربع غرف -ثلاث غرف نوم وصالون إضافة إلى المطبخ والمرحاض. ندفع 650 شيكلاً في الشهر، ولأن زوجي عاطل عن العمل لجأ في البداية إلى اقتراض أموال من أصدقائه لكي ندفع إيجار الشقة لمدة شهرين. بعد ذلك تلقينا مبلغ 2.000 دولار من وكالة الغوث لدفع إيجار الشقة وشراء أثاث. وحين نفد هذا المبلغ عجزنا عن دفع الإيجار لمدة شهرين إلى أن حصلنا على مبلغ 800 دولار أخرى من وكالة الغوث، وعندها سددنا دين الشهرين السابقين وتبقى من المبلغ ما يكفي لدفع إيجار شهرين آخرين. اقتنينا بعض الأثاث المستعمل كالأسرة والخزائن إضافة إلى غسالة وثلاجة. لا أعرف كيف سنتمكن من دفع إيجار الشقة في الأشهر المقبلة.
أعطتنا أخوات زوجي ملابس وأحذية وهناك أيضاً مؤسسات وجمعيات أرسلت لنا ملابس وأغطية ومؤونة. أخشى أن توقف وكالة الغوث الدعم وأخاف أن يُلقى بنا في الشارع عندئذ. نحن في كل الأحوال نشعر بأننا بلا مأوى وكأنه لا سقفَ فوقنا يُؤوينا. من الصعب جداً التأقلُم مع الوضع الذي دُفعنا إليه. إنه أمرٌ لا يُعقل ولا أستطيع استيعاب ما يجري لنا. أولادي يسألون طوال الوقت متى سيُعيدون إعمار منزلنا ومتى سنتمكن من السكن فيه مجدداً. أحياناً يخطر لي أن أنصب خيمة في المكان الذي كان فيه منزلنا وأسكن هناك.
مرت تسعة أشهر منذ أن انتهت الحرب وليس هناك ما يشير إلى بدء إعمار منزلنا. هذا الوضع صعب علي جداً من الناحية النفسية. من شدة القلق والحُزن على منزلي وعلى ما جرى لنا، أصبح من الصعب جداً علي النوم وتناول الطعام.

  • * *
    شهادة ردينة الشرافي (48 عاماً وأم لأحد عشر ابناً وبنتاً أعمارهم 13-32 عاماً) من سكان بيت لاهيا. قصفت إسرائيل منزلها في 14/5/2021:
    كان منزلنا قرب دوار الشيخ زايد في شمال قطاع غزة. أقمنا فيه منذ العام 1982 حتى قصفه في 14/5/2021 خلال شهر رمضان. كان المنزل مؤلفاً من طابقين -في الطابق الأرضي أقمت مع زوجي محمد (60 عاماً)، وفي الطابق الأول من فوقنا أقام أبناؤنا. ثلاثة من أولادنا متزوجون -ابن واحد وابنتان- ويقيمون في منازل أخرى.
    في ليلة 13/5/2021 كنا في منزل ابننا نزار (29 عاماً)، الذي يقيم في جباليا في شقة مستأجرة. تناولنا إفطار رمضان معاً. بعد منتصف الليل خرج زوجي مع ابنتنا فلسطين متجهين إلى منزلنا في الشيخ زايد. في طريقه اتصل بي وسألني عما إذا كنت سأعود مع الأولاد خلال وقت قريب. قلت له نعم لكنه اتصل مرة أخرى بعد ثلاث دقائق. لم يكد يخبرني بأن منزلنا قد تعرض للقصف حتى انقطعت المحادثة. ذهبت على الفور إلى هناك. حين وصلت لم أصدق المشاهد المروعة التي رأيتها -كان البيت مهدماً بالكامل وزوجي وابنتي فلسطين عالقين تحت الأنقاض. أخذت أصرخ. كانت هناك طواقم إنقاذ وسيارات إسعاف، انتشلوهما وأخلوهما إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. أصيب زوجي في الرأس وأصيبت فلسطين في الكتف والرجلين.
    منذ قصف منزلنا انقلبت حياتنا رأساً على عقب. أصبحنا مشردين بلا مأوى. حتى ذلك الحين كان لدينا كل شيء. كان لنا منزل مؤثث -فيه أدوات كهربائية وأسرة وخزائن في غرف النوم ثم فقدنا كل شيء بسبب ذلك القصف غير المبرر. بعد الحرب كنا نتلقى مبلغ 1.800 شيكل من وزارة الرفاه كل ثلاثة أشهُر. وقد مكننا هذا المبلغ من تسديد ديون كانت قد تراكمت علينا في البقالة ولدى تجار في السوق. لكن هذه المساعدات توقفت في السنة الأخيرة.
    زوجي موجود في السجن الآن بسبب دين مالي كان متراكماً علينا من قبل الحرب. هو أيضاً يعاني من مرض في الكلى. وضعه النفسي آخذ في التدهور إضافة إلى تردي صحته الجسدية منذ أن حلت بنا هذه الكارثة. لدي مشاكل في القلب والغدة الدرقية وأعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري. ابنتي فلسطين تعاني من كوابيس تنتابها ليلاً فتستيقظ من نومها صارخة. حتى في ساعات النهار يصيبها الذعر وتصرخ لمجرد سماع أي ضجة، قائلة “لا أريد أن أسمع شيئاً!”.
    بعد تلك الليلة انتقلنا للسكن في منزل شقيقتي فدوى في مخيم جباليا للاجئين. كان هناك اكتظاظ شديد وكان من الصعب علي جداً فقدان الخصوصية. كانت النساء ينمن في غرفة واحدة والأطفال جميعهم ينامون معاً في غرفة الصالون. وهذا إضافة إلى أن حالة شقيقتي الاقتصادية ليست جيدة. ولكي أساعد قليلاً في مصروف المنزل كنت أتقاسم معها قسائم المخصصات الغذائية بينما تعطيني هي الملابس لي وللأولاد. بعد إقامة أسبوعين لدى شقيقتي انتقلنا إلى منزل والدي في مخيم الشاطئ للاجئين وبقينا هناك لمدة أسبوعين. كانت لنا هناك غرفة منفردة ملحق بها مرحاض وحمام.
    أقيم حالياً في شقة مستأجرة في جباليا تبلغ تكلفة إيجارها الشهري 420 شيكلا لا تشمل فاتورتي الكهرباء والماء. الشقة شِبه فارغة ولا يوجد لدينا سوى بعض فرشات وأثاث تبرعت به جمعيات. بعد الحرب تلقينا من وكالة الغوث 2.000 دولار كمساعدة لتغطية بدل الإيجار لستة أشهر واحتياجات أخرى. تلقينا منهم 2.000 شيكل أخرى قبل شهرين ونستخدم هذا المبلغ لدفع إيجار الشقة.
    ليتنا نعود إلى حياتنا ما قبل الحرب، إلى اللحظات الحُلوة التي عشناها في المنزل الذي وُلد وترعرع فيه أبناؤنا قبل أن يدمر الجيش الإسرائيلي كل شيء. أتوق إلى يوم يكون لنا فيه منزل خاص بنا فلا نضطر لدفع بدل إيجار، لكن الوضع من سيئ إلى أسوأ ولا تبدو في الأفق بشائر حل.
  • * *
    شهادة نجوى نصير (38 عاماً، أم لستة أبناء في سن 10-22 عاماً) من سكان بيت حانون. قصفت إسرائيل منزلها في 14/5/2021:
    في 14/5/2021 عند منتصف الليل تقريباً، حشرنا أنفسنا جميعاً في إحدى الغرف. خفنا من القصف وأردنا أن نكون مع بعضنا بعضا. سمعنا انفجارات كان دويها يشتد أكثر فأكثر، لكننا في تلك اللحظات لم نتوقع بتاتاً أن تُقصف حارتنا. فجأة أخذ البيت يميد. كانت النوافذ والجدران تهتز وتساقطت علينا قطع منها وكان غبارٌ كثير. شعرت وكأن القيامة قد قامت. هربنا من المنزل بسُرعة وركضنا حتى وصلنا إلى مستشفى بيت حانون. أثناء الركض أصابتنا الشظايا. كانت تلك ليلة مُرعبة حقاً وحتى اليوم يصعب علي التفكير بها. شعرت بأننا على وشك الموت.
    أصيبت كنتي في الرأس وأصبت أنا إصابة طفيفة في اليد كما أصيبت ابنتي آية (18 عاماً) في الرجلين. وأصيب زوجي تيسير (44 عاماً) وهو متقاعد من عمله في السلطة الفلسطينية في مواضع عدة من جسمه. عندما غادرنا المستشفى ذهبنا إلى منزل ابنتي في شارع النفق في مدينة غزة وبقينا هناك إلى أن انتهت الحرب.
    “عندما عدت إلى منزلي لم أصدق ما رأته عيناي. كنت مصدومة. ليتني ما رأيت الذي رأيته. أحسست بأنني أختنق. لقد تحطم قلبي. لم يكن هناك سوى كومة خرائب وحجارة ولم أتمكن من إنقاذ أي شيء. لم تكن هنالك حيطان أو أبواب أو نوافذ. كان ذلك مشهداً بشعاً جداً. كانت لدينا ثلاث غرف نوم وصالون ووحدتا مرحاض ومطبخ وكانت كلها مؤثثة ومجهزة: كنبات وأغطية وأدوات كهربائية وكل ما يلزم المنزل. ضاع كل شيء ضاع في رمشة عين. منزلنا الذي شقينا في إقامته، مملكتنا، قصفته طائرات الجيش الإسرائيلي من دون أي مبرر ومن دون سابق إنذار. لم يتبق لنا أي شيء”.
    بدأنا ببناء هذا المنزل قبل ثمانية أعوام. كان طابقاً واحداً مساحته نحو 150 متراً مربعاً سكنا فيه مع جميع أولادنا. ابني محمد يسكن عندنا مع زوجته وابنهما خالد (سنة وشهران).
    بعد القصف مباشرة استأجرنا شقة مساحتها نحو 80 متراً مربعاً. ندفع 170 دولاراً تقريباً بدل إيجار شهري. توجد في الشقة غرفتان وصالون ومطبخ ومرحاض. محمد استأجر منزلاً منفرداً له ولأسرته. لا يوجد لدينا أثاث في الشقة الجديدة لكننا حصلنا على بعض التجهيزات والأدوات ومواد التنظيف من جمعيات ومؤسسات رفاه. جميع الملابس التي حصلنا علينا موجودة الآن في أكياس لأنه لا خزائن لدينا ولا كنبات ولا أسرة. إحدى بناتي سوف تتزوج بعد أسبوعين ولا أعرف كيف سنستقبل الضيوف وكيف يمكن أن نفرح أصلاً في وضع كهذا؛ حيث لا منزل لائق ولا استقرار في الحياة.
    الوضع في غزة كارثي. لا يوجد أي إعمار بل وُعود كاذبة فقط. حياتنا مُريعة. منذ فقدت منزلي، أشعر بأنني أختنق وقلبي محطم. العيش في شقة مستأجرة صعب علي وليست لدي رغبة لي في أي شيء. وضعنا الاقتصادي مترد جداً ولا أستطيع شراء الحاجيات الأساسية للشقة الجديدة. لقد تراكمت علينا دُيون تخص المنزل وما نزال نسددها حتى اليوم. على خلفية هذه الديون سُجن زوجي مراراً وتكراراً. أنا أبكي كثيراً بسبب وضعنا.
    أملي هو أن أعود للسكن في منزل خاص بي. فقدان المنزل والحياة التي كنت معتادة عليها يصعبان علي كثيراً. لم تبقَ لي سوى ذكريات ثمانية أعوام من الاستقرار وهدأة البال. كنت أحب جو المنزل واستقبال أقاربنا فيه حين يحلون ضيوفاً علينا. تصعب علي رؤية أولادي ينتابهم الخوف كلما سمعوا هدير الطائرات أو دوي القصف. يختبئون أو يهرعون إلي ويلتصقون بي. هُم أيضاً يحلمون بالعودة إلى منزل خاص بنا.
    كلما ذهبت إلى حيث كان منزلنا أشعر بأن قلبي يحترق. لا توجد هناك أي منازل الآن. تحول المكان إلى ملعب لكرة قدم. نحن مثل جميع الذين هُدمت منازلهم نحلم بالعودة إلى منزل خاص بنا ونتوق لحياة أفضل. لقد أصبحنا مشتتين مشردين لا راحة بال ولا استقرار. بتنا مُنهكين نفسياً.
  • * *
    شهادة ظريفة الطناني (63 عاما)، من سكان بيت لاهيا، تروي عن الليلة التي قُتل فيها ابنها، وكنتها وأولادهما الأربعة جراء تعرض منزلهم للقصف الإسرائيلي في 13/5/2021:
    مرت سنة على استشهاد ابني وأسرته. إنهم ضحايا أبرياء قُتلوا بدم بارد. أنا لا أفهم لماذا استهدف الجيش الإسرائيلي ابني وعائلتي. توجهنا إلى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان لمساعدتنا على الحصول على تعويضات ولكن من دون أي نتائج حتى الآن. منذ أن فقدت ابني رأفت وأسرته توقفت عن المشاركة في المناسبات الاجتماعية. أنا أشتاق إليهم كثيراً. عندما أنظر إلى ولدي فادي وحاتم أشعر وكأنهما أصبحا يتيمين بعد فقدان شقيقهما رأفت وزوجته وأولاده. لقد خلف غياب رأفت فراغاً كبيراً هائلاً في العائلة.
    كنت دائماً أنتظر زيارته لنا مع أسرته. لكنهم الآن فارقونا إلى الأبد. أسرة بأكملها دُفنت. لم أذُق طعم الراحة منذ أن قُتلوا. أنا منهكة نفسياً وأعاني من مرض السكري وضغط الدم المرتفع. أفكر في ابني طيلة الوقت ولا أستطيع التركيز في أي شيء. الحزن والاكتئاب يسيطران على حياتي. قلبي يعتصره الألم وأنا أبكيهم بحرقة طول الوقت. المصيبة التي حلت بنا كبيرة جداً. أنظر إلى ملابس أحفادي الصغار التي بقيت عندي وأبكي بكاءً مراً. آه، كم أحببناهم! أدعو الله أن يشد أزرنا ويصبرنا على غياب ضحكاتهم وفرحهم من حياتنا. كان الله في عوننا وألهمنا العزاء.
    كان أملي أن أرى ابني يعيش مع أسرة تكبر وتنمو في كنفه، لكن طائرات الاحتلال قتلتهم في داخل منزلهم. من الصعب تحمل هذا الفقدان. أرجو أن يصغي العالم إلينا ويسمع صوتنا. إنهم يقتلوننا المرة تلو الأخرى على امتداد التاريخ. ألسنا بشراً؟! يجب على العالم أن يساندنا ويتعاطف معنا. عليهم أن يعطونا حقوقنا.
    استمعت إلى هذه الشهادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكُرد في23/3/2021.

*تأسس “مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة” (بتسيلم) في العام 1989. يعمل من أجل مستقبل تُضمن فيه حقوق الإنسان والحرية والمساواة لجميع بني البشر -فلسطينيين ويهود- المقيمين بين النهر والبحر. ولن يتحقق ذلك إلا بإنهاء الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي. يقوم المركز بتوثيق وتقصي ونشر معلومات وشهادات ومواد توثيقية مصوَرة وأوراق موقف وتقارير حول انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في المنطقة بين البحر والنهر.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock