أفكار ومواقف

الحيّز في زمن الوباء

الحيّز قضية متعددة المستويات. ثمة الحيز المكاني، والزماني، والجيو-سياسي، والفكري، والمادي والمجازي. وهو يُؤخذ كأمر مفروغ منه أو يُخضع لمختلف الحفريات. لكنّ مسألة الحيّز أصبحت أكثر دنيوية مع التفاعلات العملية والتأملية التي جلبها وباء كورونا على المستوى الإنساني.
الإغلاق والحجر هي مستويات من تضييق الحيّز، من إغلاق حدود الدول بأكملها إلى عزل فرد في غرفة. والتباعد الفيزيائي الموصى به في الأماكن العامة هو توسيع للحيز المكاني الفردي، لكنه في الوقت نفسه تضييق لحيز التواصل والحميمية.
في مسرحية آرثر ميلر، “موت بائع جوال”، كان افتقاد “ويلي لومان” للحيز من الأسباب الضاغطة التي قادته متجمعة إلى الانتحار. انتحر لأنه أراد أن يستفيد أولاده من قيمة بوليصة التأمين على حياته بعد أن فشل في كسب ما يساعدهم على إيجاد حيزهم الخاص– ولأنه فشل في توسيع حيزه الشخصي على أي مستوى. أراد أن يكسب ما يكفي ليهرب من المدينة الخانقة ومبانيها حادة الزوايا التي تحجب الأفق إلى الريف، حيث وفرة الهواء النظيف والفضاء المفتوح “لأزرع الخضراوات، وأربي بضع دجاجات”. ويقول له جاره، تشارلي، في إحدى المناسبات: “سمعتُ بعض الضجيج. ظننتُ أن شيئاً حدث. ألا تستطيع أن تفعل شيئاً بشأن الجدران؟ إنك تعطس هناك، وفي بيتي تطير القُبعات”.
في بريطانيا، “قام مكتب الإحصاءات الوطنية ببعض الحفر المثير للاهتمام” في مسألة وصول الناس إلى حيز خارجي خاص، كما ذكرت “الغارديان”. و”ليس من المفاجئ أن يدور كل شيء هذا العام حول أولئك الذين لديهم حدائق في مقابل البقية منا، بالنظر إلى أن ذلك الوصول إلى حيز خارجي يُحدثُ فارقاً كبيراً في خبرة الإغلاق”. ووجد الإحصاء أن واحداً من كل ثمانية ليس لديهم حديقة، وأن أسرة من كل خمسة ليس لديها وصول إلى الحدائق في لندن. ووضعت “الغارديان” قضية الحيز الخارجي في إطار التفاوت الاجتماعي-الاقتصادي. وهي كذلك. دائماً يتسع حيز البعض على حساب حيز الآخرين -بالإكراه أو بالقدرة على تحمل كلفة الحيز.
في عمان، مثلاً، باستثناء أحياء الفلل والبيوت المنفصلة، ربما تكون حصة الفرد من الحيز الخارجي الخاص عكس النسب البريطانية. في عمارة من عشر شقق، ستكون لأصحاب الشقق الأرضية (واحدة أو اثنتين) فقط وصول إلى حيز خارجي ما –حديقة صغيرة، أو مصفّ سيارة أو فناء. وسوف يدفع الذي يشتري الطابق الأرضي فارقاً من النقود (المقترضَة غالباً) أكثر من أصحاب الطوابق الأعلى. وقد أصبح هذا الفارق يستحق كلفته الآن بشكل خاص، في الحظر الشامل أو الجزئي.
يتفقد كاتب أميركي من أصل لبناني الشرفات أيضاً في زمن الوباء. والشرفة حيز “خارج” المنزل معلق في الفضاء العام. واكتسبت الشرفات أهمية جديدة هي أيضاً في الإغلاقات. وحتى قبل “كورونا”، كان عدم وجود شرفة يمكن فيها شرب فنجان قهوة أو الجلوس في مساء حار يجعل سكان الطوابق يحسدون أصحاب الطوابق الأرضية. أما الآن، فترسم الشرفة في الحظر خطوطاً إضافية تحت الفوارق في الحظوظ، ومنها الحيز الخارجي، حيث تتآمر الهندسة المعمارية أيضاً. على الأقل، يمكن من على الشرفة الغناء مع الجيران في الحظر، أو مجرد الشعور بأنك “في الخارج”، برغم الحظر.
في المراجعات الكثيرة التي تنشأ الآن بسبب الوباء لتصميم المدن والمساحات العامة، يراجعون أيضاً تقسيم حيز العمل (المكاتب). في العقود الأخيرة ظهر اتجاه إلى هدم جدران غرف الموظفين التقليدية في الدوائر والشركات، وفتح المساحات لخلق بيئة عمل تفاعلية، حيث المكاتب، والناس، بلا حواجز. الآن، أصبح هذا التصميم عبئاً على غايته، حيث يُوصى بتقليل العاملين في المناوبة الواحدة من أجل التباعد. بل إن بعض الأعمال تعيد تصميم محطات العمل باستعادة الحواجز، من الزجاج أو الستائر، كمتطلب لبيئة العمل التي يمكن أن تُنتج.
وفي الأسواق، تُرسم علامات على الأرض لتخصيص حيز بقطر ثلاثة أمتار على الأقل للفرد. بل إن إيطالياً ابتكر خشبة دائرية بقطر ثلاثة أمتار مثقوبة في الوسط، وأحاط بها نفسه ليُبقي الآخرين خارج حيزة –المشروع الآن- من الفضاء العام. ومن المؤكد أن حمل خشبة، مثل الصليب، لتأمين السلامة في زمن كورونا هي مهمة سيزيفية، تضيف إلى صراعنا التاريخي من أجل أي حيز.

انتخابات 2020
27 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock