أفكار ومواقف

الحُبّ وترويض الجسد المتوحّش

 


لا أعرف بالضّبط ما الذي يمكن أن تثيره فينا كلمة الحبّ، فهي لا تشبه أيّ كلمةٍ أُخرى. إنّها كلمة سحريّة تلهب فينا الأحاسيس، وتتسبّب لنا بتموّجات كاسحة من اللذة. وفي أحيان أخرى قد تفتح تلك الكلمة ثانيةً الجرح النّائم في أعماق أرواحنا، خاصّةً إذا كانت تجربة الحبّ التي مررنا بها تجربة قاسية. على صورة المحبوب يكون الحبّ إذن، وبذلك فإنّ مذاقه ورائحته يختلفان من شخص إلى آخر.


ولكن هل الحبّ موجود؟ بمعنى هل هو حقيقة ثابتة في الحياة، أم أنّه مجرّد وهم، وصفحة مطرّزة بالأحلام في كتاب الوجود المتداعي؟ وعلى فرض أنّ الحب موجود فما الذي يميّزه عن العلاقات الأخرى القائمة بين الطّرفين (الرّجل والمرأة)، سواء كانت تلك العلاقات مبنيّة على الصّداقة والاحترام المتبادل، أو على المصلحة وأحياناً إشباع الغريزة؟ أليس الحبّ قبل الزّواج مختلفاً عنه بعد الزّواج، حيث ينهمك الطّرفان في بناء المؤسّسة الزّوجيّة الشّبيهة بالجمعيّة التّعاونيّة فيصبح الحب عندها مجرّد علاقة مملّة خالية من النّبض! ثمّ ألا يتغيّر الحبّ تغيّراً جذريّاً بتبدّل أحوال المجتمع، وانتقاله من أجواء التّخلّف والقمع إلى أجواء التّطوّر والحرّيّات العامّة؟


من جهة أخرى، ما الذي نريده من وراء الحبّ؟ هل نطمح إلى كسر إطار العزلة الذي يغلّف ذاتنا من خلال الاشتباك مع ذوات الآخرين والتّواصل معهم؟ هل نريد أن نكثّر تلك الذّات ونعدّدها من خلال رؤية صورتها عند الطرف الآخر؟ وفي حال الحصول على صورة مضبّبة نقوم بتهشيم المرآة ووضع حدّ للحبّ؟


هل الحب وسيلة أم هدف؟؟


مثل هذه الأسئلة وغيرها تداعى إلى ذهني وأنا أقرأ بعينين مذعورتين ما كتبه الشّاعر الفرنسي الكبير (شارل بودلير) مؤسّس الحداثة الشّعريّة في العصر الحديث، في كتابه الأخير الموسوم بـ(اليوميّات) حول علاقات الحب، ولقاءات الغرام التي تتمّ بين العشّاق. يقول بودلير: “أعتقد أنّي لاحظت قبلاً، أنّ الحبّ شديد الشّبه بجلسة تعذيب أو عمليّة جراحيّة”، ويتابع: “هل تنصتون إلى هذه التّأوّهات كمقدّمات لتراجيديا فقدان الشّرف، وهذه الأنّات، هذه الحشرجات، هذه الصّرخات؟ من الذي لم يطلق مثلها؟ من الذي لم يعمل جاهداً على ابتزازها؟ وهل ترون أبشع من هذا في الاستنطاق الذي يمارسه محترفو تعذيب مهرة؟ عيون المروبص تلك المقلوبة، وهذه الأطراف التي نتأت وتصلّبت كما لو أنّ تحتها بطّاريّة كهربائيّة ….”.


هل يمكن أن تمثّل علاقات الحبّ نوعاً من الانتهاك الذي يمارسه طرف ضدّ طرف آخر؟ أو لنقل بكلام أكثر وضوحاً شكلاً من أشكال العدوان كما يقول بودلير؟


في الحروب التي يخوضها البشر غالباً ما تتقنّع تلك الحروب بأقنعة جنسيّة، فالجيش المنتصر في الحرب يمثّل الذّكورة المنتصرة، بينما الجيش المهزوم يمثّل الأنوثة الخائرة المستسلمة. آلات الحرب المستخدَمة أيضاً كالمدافع والقاذفات والصّواريخ لها دلالات جنسية واضحة. ليس فقط هذه المعاني الرّمزية هي ما نلمسه في الحروب الدّائرة، بل يمكن لنا أن نرى بوضوح في بعض الحالات كيف يقوم الجنود المنتصرون باستباحة نساء الطّرف الآخر والفتك بهنّ، ومثل هذا التّقليد استمرّ على مدار التّاريخ منذ العصور القديمة وما يزال قائماً.


على مستوى الحبّ، ربّما كانت هناك مجموعة من السلوكيات العدوانية المضمرة لدى طرف من طرفي الحب، وقد تتطوّر تلك السّلوكيّات في الاتّجاه الخطأ فتبرز عندها ظواهر العدوان بشكل واضح، ولكنّ الإنسان عبر عمليّات التّطوّر المتعاقبة التي أثّرت على مفاصل حياته تعلّم كيف يروّض الجسد الحيواني المتوحّش الذي تستعر فيه النّار، وكيف ينتقل من طور الغريزة إلى طور الإحساس الإنساني العميق.


[email protected]

تعليق واحد

  1. نريد كتابات مثل السابق
    سيدي الرائع والشاعر المحترم
    اسعد الله اوقاتك بالخير ، قبل اماسً قليلة كنت اعبث في الانترنت في محاولة للتخلص من بعض حمولات الضجر العالقة بين الشهيق والزفير لدي ، واذ بي اجد لك اشعار منشورة ، وتتكلم عن الحب بشكل جميل ومن ضمنها (وجه الرجل المراه) فكانت جميلة جداً، وما نرجوه منك ان تعيد نشرها ضمن امكانيتك واشكرك جدا .

  2. حب او حرب الفرق فقط حرف الراء
    كنت لا ادرك سابقا سبب رفضي القاطع لاعلان حبي, الان اظنني بت افهم الفكرة فاعلان الحرب غالبا ما يفقدهاعنصر المفاجاة والذي هو اروع ما في الحب, وافتك ما في الحرب.تشبيه الحب بالحرب لم يخطر يوما ببالي ولكن الرائع يوسف عبدالعزيز المح لي اليوم بهذا السر المعلن وساكتم انا دوما اسرار حبي حتى عمن احب لاحتفظ بلذة الكتمان و فرصة المباغتة

  3. الحب
    يقول جبران خليل جبران " اذا اشارت المحبة اليكم فاتبعوها… واذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها… واذا خاطبتكم فصدقوها … المحبة لا تعطي الا من ذاتها ولا تأخذ الا من ذاتها"
    كثيرون اجتهدوا في تعريف الحب فمنهم من يراه ضعفا واخرون يرونه مصدر لقوة جبارة تجعل صاحبها قادراً على فعل اي امر, فالحب مهما كانت حقيقته ومهما اختلفت الوانه هو القادر على ايصالك لعنان السماء, فالحب هو الالفة ورفع الكلفة وان تجد نفسك تتصرف على طبيعتك دون ان تحاول ان تكون شئ اخر لتعجب الطرف الاخر وان يصمت الطرفان فيحلو الصمت وعندما يتكلم احدهما يحلو للاخر الاصغاء, وفي حال الزواج فالحب لا يطفئ هذه الاشواق ولا يورث الملل والضجر وانما يورث الراحة والطمأنينة .
    تجربة وجودية عميقة تنتزع الانسان من وحدته الباردة القاسية لكي تقدم له حرارة دافئة مشتركة .
    بالحب تستطيع ان تمحو من النفس صور الرذيلة والحسد ولكن لا تستطيع ان تمحي الحب.

  4. معارك خاسره
    اعتقد ان الحب والحرب وجهان لعملة واحده.
    وكلا الطرفين يحارب من اجل الوصول الى مبتغاه ولكن هنا تختلف نوعية السلاح المستعمل في المواجه والدفاع.
    المحارب يستخدم كل طاقاته ومعداته من اجل الفوز بالمعركه وكذلك المحب يستخدم كل الوسائل المتاحه لديه من اجل الوصول الى قلب محبوبته وربما يفشل.

  5. لنحاول أن نكون لائقين بفترة زمنية ستنتهي اسمها العمر
    لقد اوغلت في الابحار الى اماكن في القلب كنت افضل ان تبقى مجهولة…
    "ففي القلب… وفي زاوية ضيقة تحترف فن الهروب والاختباء، ما زلت أركض حافية القلب إلا من الحنين، وتراب الشاطئ يثير في جسدي شهوة الاستمرار، وأرى أمواج البحر تشبهني عندما تتكسر على الصخور وتنهزم لكنها سرعان ما تعود…"
    في القلب… وفي زاوية ضيقة تحترف فن الكتمان والأنين الخافت والبكاء بصمت، ما زلت أستعذب طعم الألم المعشش في مفاصل الذاكرة عندما أفتح صندوق الذكرى وأبحث فيه عن أناس أحببتهم لكنني لم أحتفظ بهم، وآخرين أحببتهم وأضعتهم، ولكنهم ما يزالون بداخلي مع كل دقة قلب موجعة ؟ فهنا حيث انتهت قراءتي لما كتبت …تركت بعضا مني.. يبحث عني ..وربما اتواصل معي.. وافهم ماذا يجول بالقلب والفكر…كم انثى بداخلي…تخنقني…تدمرني.. متناقض كل ما في حياتي .. انثى مجنونه.. وواحده عاقله…و هنالك تقبع التافه …و الجامحه …و العنيفة.. والغيوره… والام المحبة..والزوجة المطيعة.. والابنة العاقلة الراكزة… والعاشقة الولهانة..وكم رجل بداخلك يخنقك ويدمرك..
    اذن لنحاول أن نكون لائقين بفترة زمنية ستنتهي اسمها العمر..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock