أفكار ومواقفرأي في حياتنا

الخارجون على “العادات والتقاليد”!

حين نقول مثلاً إن فلاناً “مندسٌّ” على مجتمعنا أو دخيلٌ على عاداتنا وتقاليدنا، فذلك يعني ضمناً، وعلى وجهٍ من الوجوه، أننا نقول: نحن مجتمعٌ من الأنقياء والملائكة!
هذا التنصّل من “الخطّائين” هو تهرّبٌ أيضاً من المسؤولية المجتمعية، فكلّما ارتكب واحدٌ من الناس خطأ أو خطيئة، جنحةً أو جريمة، وضعه المجتمع على جانبٍ، وتنصَّل منه، .. وهو في الحقيقة؛ أي المجتمع، لا يتنصَّل من الشخص بقدر ما يدفعُ التهمةَ والمسؤولية عن نفسه.
لا يوجد في الكون كلّه، بلدٌ أو شعبٌ، بلا جريمة، و”جمهورية أفلاطون” غير موجودة سوى في ذهن كاتبها، و”كلّ ابن آدم خطّاء”. صحيحٌ أن الجريمة لهولها قد تدفع الجمهور، وأعيان الناس، إلى التبرؤ من شخص المجرم، والرغبة في دفعه بعيداً على نحو مجازيّ، لكن المجتمع باعتباره البنية المسؤولة، وراعية الأخلاق والأعراف، لا يمكن أن يكون بريئاً من حيث خلق المناخ المواتي، اقتصادياً وأمنياً وثقافياً وتربوياً، لولادة ونموّ “الخطّائين”، وهو بالتالي مسؤولٌ بشكلٍ ما عن جنوح أفراده، وخروجهم على المنظومة المتَّفق عليها؛ وحزمة الأعراف المرعيّة، ومسطرة القوانين الناظمة.
وبالتالي على هذا المجتمع، حين يخرج واحدٌ أو مجموعة من مواطنيه، على هذا النظام المرسوم، والتقاليد المعيَّنة، أن يستجوب أدواته، وأن يتحسَّس رأسه، وأن يسأل نفسه أين قَصَّر، وما الذي دفع فلاناً أو أكثر من فلان أن “يخرجوا على عاداتنا وتقاليدنا”!
ثمَّ علينا أن نعترف أن عاداتنا وتقاليدنا نفسها ليست مصحفاً، أو كتاباً سماوياً، فهناك خطأ اصطلاحي حين نعرّف “العادات والتقاليد” بأنها جملة السلوكات النزيهة؛ فـ”العادات” قد تكون “سيئة”، مثلما هي “الأعراف” ما قد تعارف عليه الناس، وليس بالضرورة منظومة الصواب واجتناب الخطأ.
وهذا بالمناسبة، لا يحدث سوى عندنا، أن نتبرأ من المخطئ وندفعه عنّا بكلتا يدينا، فلم أسمع مرةً في الخطاب الإعلامي الفرنسي أو التونسي أو السعودي أو حتى الأميركي من يقول: هذا “مندسٌّ” وخارجٌ على تقاليدنا وعاداتنا!!
من أين يأتي “المندسّون”؟ أليسوا مواطنين يحملون وجوهنا وأسماءنا وسمرتنا وركبوا معنا في الباصات مراراً وتزاحمنا معهم على طوابير الخبز والبنزين؟ ألا يحملون أرقاماً وطنية ودفاتر عائلة؟ لم يهبطوا من السماء بالتأكيد. ولم يدخلوا من الشقوق. وإن دخلوا فمسؤولية مَن وجود هذه الشقوق في بنية المجتمع؟
لا أدافع هنا عن المجرم، ولا عن الجريمة بالطبع، ولكن عن حقّ المجتمع بأن يتشكَّل كأيّ مجتمع مدنيّ، من الصالحين والأخيار ومن الخطّائين كذلك، وهذه سمة كل المجتمعات في العالم، منذ أوّل الخَلق، لكنّ الذي يجعل مجتمعنا يتنصّل من أي مجرم فوراً هو الجينات القبلية التي شكَّلت هويتنا، وهذا أمرٌ مفهوم، فقد درجت القبيلة بحكم عددها القليل أن لا تحتمل فكرة وجود المجرم بين صفوفها، فكانت تبعده وتنبذه، أو “تشمّسه”، بالمصطلح العشائري، أمّا المجتمع المدنيّ الممتدّ فعليه أن يتعايش مع فكرة أنه لا يوجد شعب من الملائكة.
ولا توجد دولة أو مجتمع يستطيع كل يوم أن يطرد مجموعة منه خارج البيت، بحجّة أنهم “خارجون على العادات”. بل على العكس من ذلك، ما تفعله المجتمعات المتقدمة، حين تولي هؤلاء اهتماماً ومراكز تأهيل وإصلاح وعلاج نفسي وتربوي قبل أي إجراء عقابي آخر.
بمعنى واضح ومباشر: هؤلاء صنيعتك أيها المجتمع. وليسوا كائنات غريبة أدخلها المهرّبون من الحدود!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock