أفكار ومواقف

الخاسرون والرابحون

عقد مؤتمر وارسو الذي التأم تحت عنوان “السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ” بضجيج كبير واختتم بصمت أكثر، فالعناوين الكبيرة التي جاء من اجلها المؤتمر توارت خلف الخلاصات الانشائية والدعاية السياسية المتبادلة، في الوقت الذي لا يمكن الحكم على حسابات الخاسرين وتحديدا الاطراف التي استهدفها المؤتمر مباشرة أي إيران إلا أن حسابات الرابحين وعلى رأسهم إسرائيل باتت واضحة منذ انطلاق أعمال المؤتمر.
العنوان الأبرز الذي حاول منظمو المؤتمر تمريره يتمثل في إعادة تعريف العدو في المنطقة وخلق ازاحة استراتيجية في تقدير الموقف حيال خريطة التهديدات ومصادرها لصالح إسرائيل وتقديم وجبة جديدة من التطبيع المجاني الذي لا يرتبط بالموقف من التسوية النهائية للصراع العربي الإسرائيلي ولا يدعو إلى تقديم تنازلات متبادلة بين طرفي الصراع، بل تنازلات احادية وهي ما حدث فعليا حينما جمعت طاولة المؤتمر عشر دول عربية إلى جانب إسرائيل.
لقد عكس المؤتمر حالة الانقسام الدولي وكرس حالة جديدة من تناقض المصالح وهو الأمر الذي عبر عنه تراجع مستوى التمثيل في مشاركة القوى الكبرى الغربية حيث غادر وزير الخارجية البريطانية أعمال المؤتمر مبكرا بينما اقتصر التمثيل الفرنسي الألماني على نائبي وزير الخارجية في البلدين، وحتى الدولة المستضيفة بولندا التي حاولت المزيد من التقرب نحو الولايات المتحدة وربط اليمين الحاكم في وارسو مصالحه باليمين الجمهوري في واشنطن عادت بولندا للتأكيد على التزامها بالموقف الأوروبي الرافض للتخلي عن الاتفاق النووي مع إيران.
لا يعدو هذا الاجتماع الدولي أكثر من عمل تكتيكي في استراتيجيات إدارة الصراع ما يجعل اليمين الإسرائيلي أكثر الرابحين منه، فمن المتوقع أن يقدم هذا الاجتماع دفعة قوية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يواجه شبهات فساد تمكنه هذه الدفعة من عبور عتبة الانتخابات الإسرائيلية القادمة في شهر نيسان (ابريل) المقبل، من جهة ثانية عكس هذا المؤتمر حجم واتجاهات الصراع على الطاقة والغاز تحديدا في أوروبا والشرق الأوسط والدور المركزي للولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الصراع مع اتساع تباين المواقف مع الحلفاء الغربيين التقليديين بعدما دخلت المانيا في تحالف طاقة كبير مع روسيا (ستريم رود 2) يضمن توريد الغاز الروسي إلى المانيا ثم إلى عدد من دول أوروبا الغربية.
السؤال الأبرز اليوم هل بالفعل سيشكل هذا الاجتماع الدولي بداية مرحلة تاريخية جديدة في الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط حسب وصف نائب الرئيس الأميركي؟ وهو ما يعني البحث في مدى جدية وواقعية انشاء ما يسمى التحالف أو الناتو العربي في مواجهة إيران والذي يفترض دخول دول عربية خليجية إلى جانب مصر والأردن في تحالف مع إسرائيل في مواجهة الخطر الإيراني، وتعود فكرة الناتو العربي إلى قمة الرياض في أيار (مايو) 2017 حينما طالب الرئيس الأميركي ترامب الدول العربية والإسلامية بصورة مباشرة، بضرورة مواجهة تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة والتهديدات الإيرانية.
إلى هذا الوقت لا تبدو هذه الفكرة جدية فهناك تفاوت كبير بين مواقف الدول العربية المعنية وادراكها للخطر الإيراني فبينما تذهب دول مثل السعودية والبحرين إلى رفع مستوى التهديد نجد دولا خليجية اخرى تتخذ مواقف اقل تقديرا للخطر الإيراني مثل الكويت وقطر وعُمان علاوة على تداعيات الأزمة الخليجية مع قطر، في حين نجد مصر والأردن تعبران عن ادراكهما لتناقض المصالح احيانا مع إيران ورفضهما للتدخل الخارجي في شؤون الدول العربية إلا أن تقديرهما بأن التهديد الإيراني لا يشكل أولوية الصراع في المنطقة التي يحتلها الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.
نحن أمام جيل جديد من التكتيكات السياسية الجديدة التي لا تخدم سوى استراتيجية قديمة هي استراتيجية إدارة الصراع في الشرق الأوسط لا حل الصراع لصالح استمرار الأمر الواقع الذي يعني استمرار إسرائيل بإجراء المزيد من تغيير الوقائع على الأرض وصولا إلى اليوم الذي لا يتبقى ما يمكن أن يتم التفاوض حوله.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock