أفكار ومواقف

الخجلون من دماء الموصل

اختلف الروس والإيرانيون، ولو لفترة وجيزة، على مجازر الموصل. وعلى الرغم من أنه اختلاف ظاهري مصطنع، إلا أن ذلك لا بد وأنه أحرج “عروبيي طهران وموسكو” الذين طالما وجدوا أنفسهم في الخندق نفسه، حتى بدأت مجازر الموصل بقصف أميركي من الجو، مع وجود مليشيات إيرانية على الأرض؛ فكان – صدق أو لا تصدق- أن ارتفع صوت روسيا حرصاً على أرواح المدنيين العراقيين في المدينة! فيما طهران أكثر من سعيدة حتماً بتقتيل الموصليين، وإلا فإجبارهم على النزوح، بما يصب بالمحصلة في المشروع الإيراني الأكبر في العراق وسورية، والقائم على التطهير الطائفي.
أما سر الإنسانية الروسية المفاجئة – والطارئة- في العراق، فيجد تفسيره، ببساطة، في مبدأ “ما حدا أحسن من حدا”. فكما أن الولايات المتحدة وأوروبا (كانتا) تنتقدان روسيا لعدم تمييزها في حربها في سورية بين “داعش” و”جبهة النصرة” وبين فصائل المعارضة السورية المسلحة، وكذلك ممارستها سياسة الأرض المحروقة التي تستهدف المدنيين أساساً؛ فقد بدت مجازر الموصل الأميركية خبراً سعيداً لموسكو لـ”توظيفه”، فحسب، في المعركة الإعلامية مع الغرب، ولا سيما أنها حرصت أيضاً على التأكيد منذ بدء معركة الموصل على أنه ليس كل المقاتلين في المدينة “دواعش”.
بالنتيجة، صحيح فعلاً أنه “ما حدا أحسن من حدا” في العراق وسورية؛ لا القتلة الذين يستخدمون الأساليب ذاتها بغض النظر عن هويتهم، ولا الضحايا الذين ينتهون إلى المصير نفسه بزعم أنهم جميعاً “دواعش” برأي القاتل صاحب اليد العليا في كل من البلدين.
لكن على الرغم من وضوح معالم “لعبة الدعشنة” ودوافعها – إذ الكل يريد إنجاز حروبه بأسرع وقت وبأقل خسائر من طرفه، ما يحتم ارتفاع التكلفة الإنسانية على العراقيين والسوريين بشكل لم يكن ليتصوره عقل- فإن العرب وحدهم (وبما لا يشمل طبعاً عروبيي طهران وموسكو) صاروا يخجلون من دمائهم، فيحاولون طمسها بدل وقف نزيفها؛ خشية اتهامهم بالدفاع عن “داعش”. وهو ما يبدو خصوصاً في حالة الموصل، كون التحالف الذي تمارس الولايات المتحدة العمليات العسكرية باسمه يضم بلداناً عربية، وهي صاحبة مصلحة موضوعية (إن لم تكن إنسانية) في وقف مذابح الموصل، كما وقف تهجير أهلها. فتاريخ العراق تحديداً (إن صح اعتباره تاريخاً، مع أنه حاضر بحكم قربه)، يشهد أن “داعش” هو الابن الشرعي لسياسات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والقائمة – بأوامر إيران وخدمة لمخططها الطائفي- على اعتبار كل سُنّي في العراق عضواً في تنظيم “القاعدة” يجب قتله أو أقلها اعتقاله والتنكيل به وتهجيره.
لكن الأهم، والثابت، أن سياسات المالكي- إيران ما كانت لتتواصل حد خلق “وحش داعش” لولا الصمت العربي على تلك السياسات/ الجرائم، خضوعاً للابتزاز بأن كل سُني هو “قاعدة”، وقبل ذلك الخضوع لمحرمي التعامل مع “المنطقة الخضراء”، بغية ترك العراق نهباً لإيران! فكان أن قدم “داعش” نفسه حامياً وحيداً للسُنّة، قبل أن يرتكب الأغلبية الساحقة من جرائمه بحقهم، ثم يهدد بوحشيته كل دول الجوار العربي وأبعد منها. فيما تبقى المفارقة – التي تحتاج تأمل عروبيي طهران معتنقي نظرية المؤامرة- أن التنظيم لم يشكل لحظة تهديداً لإيران!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock